#عدن تُطفأ عمداً… شعب يُعذّب، دولة تُنهب، وقيادات تتفرّج

كتب/ د/مساعد الحريري
عدن اليوم لم تعد تلك المدينة التي كانت تُضرب بها الأمثال في الحياة والكرامة، بل تحولت إلى نموذج صارخ لمعاناة يومية لا تطاق. كهرباء لا تأتي إلا لساعتين، ثم تغيب لعشرين ساعة كاملة، وكأنها ضيف ثقيل لا يُراد له أن يطيل البقاء. حرارة خانقة، وأطفال وشيوخ ومرضى يدفعون الثمن بصمت، بينما لا أحد يملك إجابة واضحة: إلى متى؟
أما المياه، فحدث ولا حرج. أزمة تتفاقم يوماً بعد يوم، وانقطاع مستمر، وأسعار شراء الماء أصبحت فوق طاقة المواطن البسيط. وكأن الحياة في عدن أصبحت قائمة على البحث عن أبسط مقومات العيش: جرعة ماء، وساعة كهرباء، وشيء من الأمل.
وفي ظل هذا الانهيار الخدمي، تأتي الكارثة الاقتصادية لتكمل المشهد. ارتفاع جنوني في الأسعار، وانعدام شبه كامل للسيولة المحلية، حتى بات المواطن عاجزاً عن توفير احتياجاته الأساسية. الرواتب إن وجدت، فهي لا تساوي شيئاً أمام هذا الغلاء، والأسواق تحولت إلى ساحات صامتة تعكس حجم المأساة.
أما الفساد، فقد أصبح القاعدة لا الاستثناء. فساد إداري يضرب في كل اتجاه، في المؤسسات الحكومية والخاصة على حد سواء. معاملات متوقفة، حقوق مهدورة، ومسؤولون يتقنون فن التبرير أكثر من حل المشكلات. أينما تولي وجهك، تجد الفشل نفسه يتكرر، وكأن هناك منظومة كاملة قائمة على تعطيل الحياة لا خدمتها.
ثم يأتي السؤال الأكبر: ماذا جنت عدن والجنوب من كل هذه التحالفات والقوات التي قيل إنها جاءت للإنقاذ؟ ما الذي قدمته قوات “درع الوطن” وغيرها على أرض الواقع؟ هل تحسنت الخدمات؟ هل استقرت العملة؟ هل عاد الأمن الاقتصادي والمعيشي للمواطن؟ أم أن الواقع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم؟
الآلاف من العسكريين، أكثر من 90 ألف جندي، بلا رواتب، بلا مستقبل واضح، يتنقلون بين المعسكرات والخيام، بين الوعود المؤجلة والواقع المرير. رجال حملوا السلاح على أمل بناء وطن، فإذا بهم اليوم عاجزون عن تأمين لقمة العيش لأسرهم. أي عدالة هذه؟ وأي دولة تُبنى على هذا الظلم؟
أما المجلس الانتقالي الجنوبي، الذي كان يوماً ما يمثل الأمل لكثير من أبناء الجنوب، فقد تعرض لهزة عنيفة. تشتت في القرار، ضعف في الأداء، وقيادات غابت أو أُبعدت عن المشهد، حتى بدا وكأن البوصلة قد ضاعت. كيف وصل الحال إلى هذا الحد؟ ولماذا تفرق الصف بعد أن كان موحداً؟
ما يحدث اليوم ليس مجرد أزمة عابرة، بل انهيار شامل يتطلب وقفة جادة وصادقة. لم يعد مقبولاً الاستمرار في تبرير الفشل أو تحميل المسؤولية للآخرين. المواطن لم يعد يحتمل، وصبره أوشك على النفاد.
عدن تستغيث… والجنوب كله يصرخ: إما أن تكون هناك مراجعة حقيقية، وقرارات شجاعة تعيد الأمور إلى نصابها، أو أن القادم سيكون أكثر قسوة مما نتخيل.