لماذا اصبحتا حضرموت والمهرة ابتزازًا سعوديًا للمشروع التحرري الجنوبي؟

كتب/د/ أمين العلياني
ما إن تستقرئ المشهد السياسي في الجنوب العربي بمنظار التحليل العميق، حتى تتجلى لك صورة لا يكتنفها غموض، ولا يعتريها لبس؛ صورة تكشف عن سياسة سعودية باتت مكشوفة النوايا، واضحة المعالم، في التعاطي مع المشروع التحرري الجنوبي الذي يحمله المجلس الانتقالي الجنوبي بقيادة الرئيس الرمز الوطني عيدروس الزبيدي رايةً خفاقة في سماء التطلعات والإرادة الشعبية الجنوبية. ولئن كانت الرياض تتقن فن التورية في كثير من ملفاتها الإقليمية، فإن بصمتها في حضرموت والمهرة صارت ظاهرة للعيان، لا تحتاج إلى كثير عناء لفك طلاسمها، ولا إلى كبير جهد لاستجلاء خفاياها.
لقد أدركت المملكة العربية السعودية، ومنذ وقت مبكر، أن حضرموت والمهرة وتمتد النظرة إلى شبوة ليست مجرد محافظات جنوبية كسائر المحافظات، بل هي خاصرة المشروع الجنوبي التحرري، وهي مفتاحه الاستراتيجي الذي إن انكسر، تهاوت معه كثير من أوراق المجلس الانتقالي في معادلة الصراع الوجودي في استعادة دولته المستقلة كاملة السيادة. ومن هذا المنطلق، شرعت الرياض في تفريخ مكونات إيديولوجية، لا تملك من أدوات البقاء إلا ما تمنحه إياها الأموال السعودية، ولا تقوى على الظهور في المشهد الحضرمي إلا تحت عباءة أحزاب يمنية موالية، تتوزع ولاءاتها بين تيار الإخوان المسلمين وحزب المؤتمر الشعبي العام، وكأنما أرادت السعودية بذلك أن تقول للمجلس الانتقالي: إن أردتم حضرموت والمهرة موحدة تحت مشروع الجنوب العربي، فعليكم أن تدفعوا الثمن، وأن تقدموا التنازلات، وأن ترضخوا للإملاءات والخضوع إلى الوصاية مثل القوى والقبائل في اليمن!
ولم تقف السياسة السعودية عند حدود تشجيع التكتلات الحزبية المؤدلجة، بل تجاوزت ذلك إلى مرحلة أخطر وأدهى، حين أخذت تؤجج نزعات التمرد القبلي، وتوقد نار الفتنة في أوصال المجتمع الحضرمي، وتغري بعض القبائل بالخروج عن طاعة السلطات المحلية وتعيق أداءها في خدمة المحافظات. وكأن الرياض أرادت أن تجعل من حضرموت والمهرة تحديدًا ساحة ابتزاز دائم، تلوّح بها في وجه المجلس الانتقالي كلما اشتد عوده، وكلما أثبت قدرته على تجاوز العقبات التي تُنصب في طريقه. ولقد بلغ من سعار هذه السياسة أن امتدت أياديها الخفية إلى قطع الخدمات الأساسية عن المحافظات الجنوبية، في محاولة يائسة لتصوير المجلس الانتقالي وقيادته الحكيمة أمام جماهيرها الشعبية بأنها عاجزة عن توفير أبسط مقومات الحياة الكريمة في الجغرافيا التي يزعموا تمثيلها والتعبير عن تطلعات أهلها.
إنها لسياسة لا تخفى على متابع لبيب، ولا تغيب عن عين بصيرة؛ سياسة تقوم على مبدأ (فرّق تسد)، وتسعى إلى إبقاء الجنوب العربي في حالة من الفوضى الخلاقة التي تبرر التدخل السعودي المستمر، وتحول دون قيام جنوب عربي موحد قادر على فرض معادلاته الخاصة في المنطقة المضظربة. ولقد راهنت السعودية على أن انشغال المجلس الانتقالي بترتيب بيته الداخلي في حضرموت والمهرة سيشغله عن التقدم خطوات إضافية نحو استعادة دولته الجنوبية المستقلة، غير أن الرياح جرت بما لا تشتهيه سفن الرياض!
ثم جاءت اللحظة الفارقة التي كشفت فيها قيادة المجلس الانتقالي عن حنكة سياسية لافتة، وعن قدرة فائقة على قراءة المشهد بكل تعقيداته، حين تمكنت من حسم كثير من السياسات التي تديرها دول إقليمية ويمنية التي باتت تهدد حياة الشعب هناك في الصميم، سواء عبر الأجندات التي توغلت في تهريب السلاح والمخدرات، أو عبر تغذية خلايا الإرهاب والتطرف، أو من خلال تأجيج التمردات القبلية في منطقة هي أكثر مناطق الجنوب حساسية من الناحية الاستراتيجية والديموغرافية.
وهنا، وفي هذا المنعطف الحاسم، انكشف التناقض الفاضح في السرديات السعودية، وتجلى الاضطراب في الخطاب الرسمي للمملكة وهو يحاول عبثًا التوفيق بين متناقضات ثلاث: بين حرصها المعلن على أمنها القومي عند حدودها الجنوبية – وهو حرص لا يمثله المجلس الانتقالي أي تهديد يُذكر – وبين تمسكها الشكلي بشرعية المجلس الرئاسي الذي لم يعد قادرًا على إخفاء عجزه أمام الشارع الجنوبي، وبين سعيها المحموم إلى وأد ما تزعم أنه نزعة صهيونية بات المجلس الانتقالي يمثلها في المنطقة عبر حليفه الإماراتي! وكأن الرياض أرادت أن تجمع بين الضدين: أن تهاب خطرًا وهميًا لا وجود له إلا في مخيلة صانع القرار السعودي عبر معلومات مظللة، وفي الوقت ذاته أن تتغاضى عن الخطر الحقيقي المتمثل في المشروع الإيراني الذي يتربص بالمنطقة من كل حدب وصوب.
إن هذا التخبط في سرد الأحداث، وهذا الاضطراب في توصيف المواقف، وهذا التناقض الصارخ في تحليل المعطيات، ليكشف بما لا يدع مجالًا للشك أن المملكة العربية السعودية قد أساءت التقدير في ملف حضرموت والمهرة إساءة بالغة، وأنها راهنت على أوراق خاسرة ظنتها رابحة، وأنها بنت قصورًا في الهواء على أسس من الرمال المتحركة. واليوم، وقد أثبت المجلس الانتقالي بقيادته الرشيدة أنه قادر على قراءة اللعبة بكل أبعادها، وعلى تحييد المؤامرات التي تحاك ضده، لم يعد أمام الرياض إلا أن تراجع حساباتها، وأن تعيد النظر في سياساتها تجاه المشروع التحرري الجنوبي، وأن تدرك أن شعب الجنوب، وقد خاض غمار التحرير والنضال، لن تقهره الضغوط، ولن ترهبه التهديدات، ولن تثنيه المغريات عن ماضيه في طريق استعادة دولته المستقلة.
فهل آن الأوان للسياسة السعودية أن تستفيق من غفلتها، وأن تكف عن استخدام حضرموت والمهرة وشبوة ورقة ابتزاز رخيصة في وجه تطلعات شعب جنوبي عربي أبيّ؟ أم أن الرياض ما زالت تراهن على قوة المال وسطوة السلاح، غافلة عن أن الشعوب الحية لا تُقهر بالإملاءات، ولا تُستعبد بالمساومات، ولا تبيع قضيتها العادلة بثمن بخس دراهم معدودات؟