اعلان كاك بنك صحيفة النقابي.

#محمد علي : منطق الاحتلال الناعم: إعادة تدوير المهزومين في أرض المُحَرِّرِين

محمد علي محمد أحمد

​يحلّ علينا السابع والعشرون من رمضان، ليوقظ فينا ذكريات الملحمة الكبرى، يوم أن انتفضت العاصمة الجنوبية عدن من بين الركام لتهزم أعتى المليشيات الغازية، إحدى عشر عاماً مرت منذ ذلك التاريخ الذي لم يكن مجرد تحرير جغرافي، بل كان استعادة للكرامة وإعلاناً صريحاً بأن الأرض الجنوبية لا تقبل القسمة إلا على أهلها الصادقين.

ولكن، وبينما نحتفي بهذا النصر، لا يسعنا إلا أن ننظر بمرارة إلى واقع اليوم، حيث تدار العملية السياسية بـ “أقبح” صورها، في مشهد يعيد إنتاج الفشل ويُكافئ العاجزين،
ف​منذ اللحظات الأولى للتحرير، كان المشهد الجنوبي واضحاً، مقاومة شعبية باسلة وقادة عسكريون صدقوا ما عاهدوا الله عليه، طهروا الأرض من المهرة إلى باب المندب في زمن قياسي، وفي المقابل، رأينا ما يسمى بـ “الجيش الوطني” يتقوقع في مواقعه ويسجل ملاحم كرتونية إعلامية باستعراضاته ، محولاً معركة “استعادة صنعاء” إلى حرب استنزاف للموارد ومناورة للمكاسب الشخصية.

إحدى عشر عاماً ولم يتقدّم هذا الجيش خطوة واحدة نحو عاصمته المحتلة من قبل الحوثي، بل وجه فوهات بنادقه نحو منابع النفط والغاز في الجنوب، محتمياً بمظلة (شرعية) باتت تُستخدم لتمكين الفاشلين.

​إننا اليوم أمام منطق عجيب ومجافٍ للحقيقة؛ فحين تستدعي الحاجة لتأمين الحدود البرية والبحرية، وحماية مصالح دول الإقليم والملاحة الدولية، يتم الاعتراف بالمقاومة والقوات المسلحة الجنوبية كقوة ضاربة وحليف صادق مؤتمن لا يمكن تجاوزه، ولكن، ما إن تستقر الأمور قليلاً، حتى تنقلب الصورة؛ فتُحارَب قيادته السياسية، وتُغلَق مقراته، ويُستَفَز شعبه، ويستَخَف بتضحياته الجسيمة.

​أي منطق هذا الذي يُقصي القوات الجنوبية التي حررت الأرض ويُغدر بقواتها وقادتها، ليُستبدلوا بقوات سبق وأن شاركت في غزو الجنوب واحتلاله؟ تلك القوات التي أُعيدت اليوم كـ “بديل” عن المحررين الصادقين، رغم ثبوت فشلها في تحرير أرضها في الشمال، وتورطها في الفساد والنهب والعربدة في مناطق النفوذ والثروة الجنوبية!

​إن أبشع منعطفات المرحلة الحالية تكمن في تسليم مفاصل الدولة لمن عجزوا عن حماية مناطقهم، والذين وفدوا كـ “نازحين سياسيين”، باتت اليوم تؤَمّن لهم المرافق وتُعزّز لهم القوات، في أرض الجنوب الحر، بدعم سعودي وصمت دولي مريب، وفي مفارقة لا يقبلها عقل ولا يتحملها حر، وبالرغم من حكمة الجنوبيين إلا أنها لم تُقَدَّر، وصبرهم الذي إن أطلقوه لتفَجّر كالبركان ولم يُحتَرَم ، ليتم تهميش القادة الجنوبيين من إدارة تأمين محافظاتهم، والغدر بهم بدم بارد، بل والتطاول عليهم واتهامهم بالخيانة من قبل أولئك الذين لم يبارحوا أماكنهم في تخوم مأرب وتعز والحديدة منذ عقد من الزمن.

فما هي ​الخيانة الحقيقية.. ومن هم الخونة؟

إن ​الخيانة الكبرى هي “التقوقع” خلف آبار النفط الجنوبي بينما تُسَلّم صنعاء للحوثي على طبق من ذهب ، الخيانة هي ترك المناطق الشمالية تئن تحت وطأة المليشيات، والقدوم إلى الجنوب لفرض سلطة وهمية بقوة السلاح المدعوم خارجياً، الخيانة هي التآمر لتمكين “الهاربين” من ممارسة سلطتهم فوق دماء الشهداء الذين سقطوا في جبهات الشرف والبطولة في كل محافظات ومناطق الجنوب والعاصمة عدن

و​في ذكرى تحرير العاصمة عدن، نؤكد أن الأرض التي تحررت بدم المقاومين وكل الأبطال، لن ترتهن لمن أدمنوا الهزيمة ونهب الثروات، والتاريخ لن يرحم من خان عاصمته وبحث عن سيادة وهمية في عاصمة غيره، وبأن عدن وكافة محافظات الجنوب بجبالها ووديانها وسهولها وبحاره وسواحلها وصحاريها، وكل ذرة تراب فيها، ستبقى جنوبية الهوى والهوية، وإن النصر العظيم الذي تحقق في شهر رمضان المبارك، لن يُفَرَّطَ فيه في مكاتب المساومات السياسية والمصالح الخارجية

زر الذهاب إلى الأعلى