إنّا راحلون.. فاجعلوا أثركم دعاءً لا ينقطع

عبدالسلام محمد قاسم
ما الدنيا إلا رحلةٌ قصيرة،
نأتي إليها بأمر الله، ونغادرها بأمره،
وبين البداية والنهاية يمضي الإنسان حاملاً في قلبه أمنياتٍ كثيرة، ثم يكتشف متأخراً أن كل شيءٍ فانٍ، وأن الباقي حقاً هو ما قُدِّم لله من خيرٍ وأثرٍ طيب.
يوماً ما…
سنترك خلفنا البيوت التي أحببناها،
والطرقات التي حفظت خطواتنا،
والأصوات التي كانت تملأ أيامنا حياةً ودفئاً.
سنرحل بصمتٍ عجيب، وكأننا لم نكن هنا إلا عابري سبيل.
سيأتي يومٌ تُطوى فيه صفحاتنا،
ويُقال: رحم الله فلاناً… كان بيننا بالأمس.
حينها لن تنفعنا الدنيا بزخرفها،
ولا المناصب، ولا المظاهر،
بل لن يبقى معنا إلا عملٌ صالح، ودعوةٌ خرجت من قلبٍ أحببناه، وأثرٌ جميل زرعناه في حياة الناس.
إنها الحقيقة التي لا مفرّ منها:
﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالإِكْرَامِ﴾.
فيا رب…
إن كانت أيامنا معدودة، فاجعلها عامرةً بذكرك،
وإن كانت أرواحنا سترحل يوماً، فاجعل خاتمتنا نوراً ورضاً ورحمة.
اللهم لا تجعلنا ممن أثقلتهم الدنيا فأنستهم الآخرة،
واجعل لنا بعد الرحيل أثراً طيباً، وذكراً حسناً، وصدقةً جارية، ودعاءً لا ينقطع.
يوماً ما سأرحل…
وقد لا أستطيع أن أودّع الجميع،
لكنني أتمنى أن يبقى مني شيءٌ يشبه النور؛
كلمةٌ طيبة،
أو موقفُ وفاء،
أو قلبٌ دعوته لله في جوف الليل فاستجاب له.
فالحياة ليست بعدد السنين،
بل بما زرعناه فيها من رحمةٍ ومحبةٍ وخير.
وما أجمل الإنسان حين يرحل، وتبقى روحه حيّةً في دعوات الناس وذكراهم الطيبة.
إنّا راحلون…
فطوبى لمن كانت الدنيا طريقه إلى الله،
وطوبى لمن ترك خلفه أثراً يُضيء له قبره حين تنطفئ أضواء الحياة.