ليان صالح تكتب: حين تتبدّل المواقف: القضية الجنوبية أكبر من حسابات الأفراد
كتب – ليان صالح
في خضم التحولات السياسية المتسارعة التي شهدتها القضية الجنوبية خلال السنوات الماضية، برزت مواقف متباينة لعدد من القيادات والشخصيات الجنوبية التي كانت تُقدَّم في مرحلة ما باعتبارها من أبرز المدافعين عن تطلعات الشعب الجنوبي وحاملة لخطابه السياسي. غير أن المشهد اليوم يكشف عن تغيّرات لافتة في مواقف بعض هذه الشخصيات، حيث اختارت الابتعاد عن مسارها السابق، واتجهت نحو خيارات سياسية مختلفة ارتبطت في نظر كثيرين بمكاسب ومناصب وعروض خارجية.
إن ما يثير القلق ليس مجرد تبدّل موقف سياسي، فالمواقف قد تتغير في العمل العام وفقًا للمتغيرات، لكن ما يبعث على التساؤل هو طبيعة هذه التحولات وتوقيتها، خصوصًا عندما تأتي في لحظات حساسة تتطلب الثبات والوضوح، لا التراجع والصمت. فالقضية الجنوبية ليست ملفًا عابرًا، بل قضية شعب قدّم التضحيات ودفع أثمانًا باهظة في سبيل استعادة حقه السياسي وهويته الوطنية.
لقد تسببت هذه التحولات في إرباك المزاج العام الجنوبي، وأثرت بصورة مباشرة على مستوى الثقة الشعبية في بعض الخطابات التي كانت تُرفع باسم القضية. فعندما يرى المواطن الجنوبي أن من كانوا في الصفوف الأولى قد غادروا مواقعهم، أو اختاروا مسارًا مختلفًا دون توضيح أو مصارحة، فإن ذلك يخلق حالة من الشك ويضعف من مصداقية بعض التيارات، ويمنح خصوم القضية فرصة للتشكيك والتشويش.
ومع ذلك، فإن الحقيقة الأهم التي يجب التأكيد عليها هي أن القضية الجنوبية أكبر من الأفراد، وأقوى من التبدلات السياسية، وأعمق من المصالح المؤقتة. فهي قضية شعب بأكمله، وجذورها راسخة في الوعي الجمعي، ولا يمكن أن تتراجع أو تنطفئ لمجرد أن بعض الأصوات اختارت مسارًا آخر أو قدّمت حساباتها الشخصية على الثوابت الوطنية.
إن المسؤولية الوطنية والأخلاقية تفرض على كل من تصدّر المشهد في مرحلة ما أن يدرك أن التاريخ لا ينسى، وأن الشعوب تحتفظ بذاكرتها طويلًا. فالمواقف المصيرية لا تُقاس بما يُقال في المنابر، بل بما يُثبت في اللحظات الصعبة، حيث تُختبر القناعات ويظهر الفرق بين من يحمل القضية بإيمان، ومن يحملها كوسيلة لتحقيق مكاسب.
وفي النهاية، ستظل القضية الجنوبية حاضرة وقائمة لأنها قضية حق وعدالة وإرادة شعب، لا مشروعًا مرتبطًا بأسماء أو أشخاص. وستبقى ثابتة ما دام الشعب الجنوبي متمسكًا بها، لأن إرادة الشعوب لا تُشترى ولا تُهزم، مهما تغيرت الظروف وتبدلت التحالفات.