اعلان كاك بنك صحيفة النقابي.

النخب الجنوبية… بين اختبار التاريخ وواجب اللحظة.

بقلم: د. ندى عوبلي

النخب الجنوبية … في زمن التعطيل ، اما الفعل اما التلاشي.

لم يعد مقبولًا أن تظل النخب الجنوبية في موقع المتفرج، فيما تتشكل ملامح أخطر مرحلة في تاريخ القضية الجنوبية.

نحن اليوم لا نقف عند عتبة استعادة حق مسلوب فحسب، بل أمام مشروع دولة تتحدد ملامحه، وتُكتب معالمه، وتُختبر قدرته على الصمود في وجه التعقيدات الداخلية والخارجية. وهذا التحول النوعي يضع الجميع، دون استثناء، أمام مسؤولية لا تحتمل التأجيل أو التردد.

لقد أثبت الجنوب، خلال السنوات الماضية، أنه ليس مجرد جغرافيا تبحث عن اعتراف، بل إرادة شعب قادرة على فرض حضورها. من ساحات النضال السلمي، إلى ميادين المواجهة، وصولًا إلى تثبيت الأمن ومحاربة الإرهاب، تشكلت تجربة جنوبية جديرة بالتوقف، ليس فقط احترامًا لتضحياتها، بل قراءةً لمستقبلها.

ومع إعلان ملامح دستور الدولة الجنوبية في مطلع العام 2026م، وتحديد فترة انتقالية تنتهي باستفتاء شعبي، دخل المشروع الجنوبي مرحلة أكثر عمقًا، عنوانها: الانتقال من الثورة إلى الدولة.

لكن، وكما هو متوقع، لم تُترك هذه الخطوات لتأخذ مسارها الطبيعي.

هناك من يعمل بوضوح على إرباك هذا المسار، عبر استهداف الخدمات، وإضعاف المؤسسات، وإغراق المشهد في أزمات مفتعلة، هدفها واحد: منع الجنوب من تقديم نموذج ناجح يُغري الآخرين، ويُحرج خصومه.

وهنا تحديدًا، تتجلى أهمية النخب.

فالنخبة ليست صوتًا مكررًا، ولا صدى للشارع، بل عقلٌ يُفكّر، ويُصحّح، ويقود. وإذا كانت الجماهير قد أدت دورها في حماية القضية، فإن دور النخب اليوم هو حماية المشروع.

إن أول واجبات النخب الجنوبية هو توحيد الخطاب، والخروج من دائرة التباينات التي تُضعف القضية في لحظة تحتاج فيها إلى أعلى درجات التماسك. فالعالم لا يتعامل مع أصوات متفرقة، بل مع رؤية واضحة ومشروع متكامل.

وثانيها، الانخراط الجاد في معركة بناء المؤسسات، لأن الدولة لا تُبنى بالشعارات، بل بالأنظمة والقوانين، والقدرة على تقديم نموذج إدارة مختلف يُقنع الداخل قبل الخارج.

أما ثالثها، فهو الجرأة في ممارسة النقد البنّاء، بعيدًا عن المجاملة أو التخوين، لأن تصحيح المسار من الداخل هو الضمانة الحقيقية لنجاح أي مشروع وطني.

وفي السياق ذاته، لا يمكن تجاهل أهمية إدارة العلاقة مع الإقليم، وعلى رأسه المملكة العربية السعودية، بعقلية سياسية ناضجة تقوم على توازن المصالح، لا ردود الفعل، ولا التبعية، مع الحفاظ على وضوح الهدف الجنوبي واستقلال قراره.

كما أن نقل القضية إلى الفضاء الدولي، عبر أدوات قانونية وسياسية، بات ضرورة لا خيارًا، من خلال التفاعل مع الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية، بما يعزز مشروعية حق تقرير المصير.

ولا يمكن إغفال الدور الذي تقوم به القيادة السياسية، ممثلة بـالقائد اللواء عيدروس قاسم الزبيدي رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي ، غير أن نجاح هذه المرحلة لن يتحقق بالقيادة وحدها، بل بتكامل الأدوار، وتماسك الحاضنة النخبوية، وقدرتها على الإسناد الواعي، والنقد المسؤول.

إن الجنوب اليوم أمام لحظة فارقة:إما أن ينجح في تقديم نفسه كنموذج دولة قادمة،أو يُعاد دفعه إلى مربع التعثر.

وهنا، لا حياد ممكن.

فالنخب التي لا تتحرك في لحظات التحول، تفقد مبرر وجودها.والصمت في زمن التشكّل… ليس حيادًا، بل موقف.

إنها دعوة صريحة لكل نخبة جنوبية حرة:أن تكون في مستوى اللحظة،لا على هامشها.

فالتاريخ لا ينتظر المترددين…ولا يكتب أسماء المتفرجين.

٢٧مارس ٢٠٢٦

زر الذهاب إلى الأعلى