#معنى_الثبات

كتب/ فؤاد علي ناصر الحاج
الثبات_حين_يجوع_البطن…ولا_يُباع_الوطن
رسالة توعية
ليس أصعب على الإنسان من أن يرى المال قريبًا منه، والمنصب في متناول يده، بينما الجوع يطرق باب بيته… ثم يختار رغم ذلك أن يقول: لا.
لا… لأن الكرامة أغلى، والوطن أثمن، والموقف الشريف لا يُباع في أسواق السياسة.
فالثبات ليس شعارًا نرفعه، بل امتحانًا قاسيًا يمر به الإنسان حين تتزاحم المغريات، ويضيق العيش، ويصبح طريق السقوط أسهل من طريق الصمود.
وهنا يبدأ السؤال الحقيقي:
هل نحن أبناء موقف… أم أبناء مصلحة؟
ليس كل ما يُعرض مغريات… فبعضه ثمن لبيع الوطن.
الثبات في زمن الأوساخ هو أعلى قيمة يضعها الإنسان لنفسه.
فبين الجوع والمناصب… اخترنا الوطن.
في هذا الزمن تختلط المفاهيم، ويظن كثيرون أن المال مغريات، وأن المناصب مغريات.
لكن الحقيقة غير ذلك…
فالمغريات قد تكون طريقًا نظيفًا، أما ما يُعرض اليوم على كثير من الناس فليس مغريات، بل موبقات تُشترى بها المواقف وتُباع بها الكرامة.
الثبات اليوم ليس كلمة تُقال، بل موقف يُعاش.
أن تختار الوطن بينما الجوع يقرع باب بيتك.
أن تتمسك بالمبدأ بينما المال والمنصب معروضان أمامك.
أن تصبر وأنت ترى غيرك يصعد بالسقوط لا بالاستقامة.
الثبات أن تربط على بطنك بينما غيرك يملأ جيوبه.
أن تبقى وفيًا لقضيتك بينما تُعرض عليك الصفقات.
لقد عشنا هذا الطريق منذ سنوات طويلة.
حين حاول الاحتلال إخضاع الضالع بكل الحيل، كنا في صدارة المواقف، لا نحسب حساب الربح والخسارة، بل نحسب حساب الوطن والموقف.
كانت الضالع وقريتي زُبيد توأمًا روحيًا في تلك الأيام العصيبة، وكان الواجب أكبر من كل حسابات المصالح.
السجن لم يكن غريبًا عنا… وكان أحب إلينا من كل ذلك.
سبع مرات كان السجن رفيقًا لي، أو كنتُ رفيقًا له، لكن الحرية والوطن والناس البسطاء كانوا دائمًا يستحقون ذلك الثمن.
في السجن أيضًا عُرضت علينا الأوساخ؛
مناصب… ومال… وصفقات.
لكننا تعلمنا أن الكرامة لا تُشترى، وإنما تُصان.
في معارك الحياة كثيرًا ما لا يرى الناس أصحاب المواقف، بل يرون المطبلين وضاربي الدفوف.
لكن الزمن كفيل بأن يميز بين من ثبت… ومن سقط.
واليوم تعيش عدن ووطني الجنوب الامتحان نفسه.
يُخيَّر الناس بين النظافة والأوساخ، بين المبدأ والمصلحة.
ونحن — وقد اقترب العمر من الستين — لم يبق لنا إلا أن نتمسك بما عشنا له:
الكرامة… والموقف… والوطن.
الثبات ليس أن تشبع وجارك جائع،
ولا أن تلبس الغالي وجارك عريان.
لا تعمل ليصفق لك الناس،
اعمل ليراك الله… ولترى نفسك في الصورة التي تليق بك.
فالإنسان حين يبيع موقفه يفقد قبل كل شيء قيمته في عينيه.
وقد قال رسول الله ﷺ:
“المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يُخالل.”
فالصديق يُقاس باختياره،
والمسؤول يُقاس بمن يحيط بهم نفسه.
الثبات معاناة…
والصمود قرار…
والنضال أن تختار الموت بشرف على حياة بالذل.
هذه ليست كلمات للتاريخ فقط…
بل رسالة إلى الشباب اليوم:
لا تجعلوا أنفسكم سلعة في سوق المواقف،
وتمسكوا بالوطن… وبالمبدأ… وبالكرامة.
فالأوطان تُبنى بالثابتين…
لا بالمتقلبين.
وفي النهاية…
الثبات ليس حكاية تُروى، بل طريق مليء بالتعب والجوع والاختبار.
قد يخسر فيه الإنسان مالًا أو منصبًا أو فرصة، لكنه يربح شيئًا أعظم: احترامه لنفسه ووفاءه لوطنه.
فالتاريخ لا يذكر من باعوا مواقفهم،
ولا يحفظ أسماء من امتلأت جيوبهم ثم فرغت قيمهم.
التاريخ يذكر أولئك الذين ثبتوا حين تزلزلت الأرض تحت أقدامهم،
وصمدوا حين كان السقوط أسهل من الوقوف.
ولهذا أقول لشباب اليوم:
لا تجعلوا أنفسكم سلعة في سوق المصالح،
ولا تبيعوا مواقفكم بثمن زائل.
فالرجال تُعرف بثباتها،
والأوطان لا يبنيها إلا الذين يختارون الكرامة قبل كل شيء.
فالثبات اليوم… أن يجوع البطن، ولا يُباع الوطن.