الدم يُنظّف المقر.. كيف حوّل تفجير تعز اعتصام العدالة إلى خيام ممزّقة؟

النقابي الجنوبي/هشام صويلح
في ساعة الذروة الصباحية، الخميس 18 ديسمبر 2025، وسط شارع جمال بتعز، بينما كان طفل في السابعة يمشي إلى مدرسته، وطلاب يعودون من اختبارات نصف العام، انفجرت بطارية متروكة قرب مقر الحزب الحاكم في المدينة. لم تكن العبوة الناسفة — المخبأة داخل بطارية ولوح شمسي — تستهدف مبنى بعينه، بحسب مصادر أمنية محلية، بل استهدفت “الشارع نفسه”، كما قال الصحافي والباحث صالح أبو عوذل: “استهدف المدنيين، وكشفت عملية صُمّمت لتعظيم الرعب وخلط الأوراق”.
الانفجار، الذي أودى بحياة ثلاثة أشخاص بينهم ذلك الطفل، وأصاب 13 آخرين معظمهم نساء وطالبات، لم يُحرّك الأجهزة الأمنية لتعقّب الجناة فحسب، بل دفعها، خلال ساعات، إلى تفكيك مخيمات الاعتصام السلمي المجاور — خيام نُصبت منذ سبتمبر الماضي احتجاجًا على انفلات أمني قاد إلى اغتيال مديرة صندوق النظافة، أفتِهان المشهري، ومن بعدها عشرات المدنيين.
لماذا الآن؟ سؤالٌ لا يُطرح عبثًا
هنا يبرز السؤال الذي يتجاوز ما حدث إلى: لماذا حدث الآن؟
لم تكن خيام “ساحة العدالة” مجرد احتجاج عابر، بل صرخة مدنية منظمة تطالب بضبط مطلوبين أمنيًا يُعتقد أن بعضهم منتمٍ إلى وحدات عسكرية مرتبطة بمحور تعز، الجناح الأمني لحزب التجمع اليمني للإصلاح، الذراع السياسي لتنظيم الإخوان في اليمن. ورغم الطابع السلمي للاعتصام، بدت السلطات أكثر انزعاجًا منه مقارنة بالتفجير نفسه. فبينما تأخر الإعلان عن إجراءات تحقيق جدية في الجريمة، سارعت قوات أمنية وعسكرية إلى إزالة الخيام بالقوة والاعتداء على معتصمين، بينهم والد الشهيدة أفتِهان المشهري والقيادي النقابي حسان الياسري.
ساحة ممنوعة
في اليوم التالي، منعت تلك القوات المواطنين من أداء صلاة الجمعة في الساحة، وفتشت المركبات على مداخلها، وصادرت سجاد الصلاة، في خطوة غير مسبوقة في تعز، حتى في أحلك أيام الحرب.
الحزب كضحية: خطاب مألوف
في المقابل، أصدر حزب الإصلاح بيانًا وصف فيه التفجير بأنه “استهداف لحزب مدني يعمل في إطار المنظومة الدستورية”، مطالبًا بـ“القبض على المجرمين”. البيان تجاهل أن الضحايا جميعهم مدنيون، وأن الانفجار وقع في فضاء عام لا عند بوابة المقر، لكنه سارع إلى ربط الجريمة بـ“الإرهاب”، في خطاب يعيد إنتاج صورة الحزب كضحية دائمة.
الشكوك تتصاعد: هل كانت “مسرحية”؟
هذا الخطاب لم يمرّ دون تساؤلات. ففي الساعات التي تلت التفجير، انتشرت تصريحات متشابهة من صحفيين ومحامين ونشطاء تُلمّح إلى أن الحادث قد يكون “مسرحية” تخدم غرضين: تبرئة ساحة الحزب من اتهامات الإرهاب المتزايدة، وخلط الأوراق لصرف الانتباه عن المطالب الشعبية المتصاعدة بمحاسبة عناصر متورطة في جرائم قتل.
قال الصحفي خالد سلمان: “الإصلاح حين يحاول أن يلبس ثوب البطولة يتعرّى أكثر.. التفجير مُسرح أمام مقره لقطع الطريق أمام إدراجه ضمن منظمات الإرهاب”. وذهب المحامي حسين يحيى أبعد من ذلك بقوله: “الهدف هو الظهور كضحية للإرهاب، لكسب تعاطف الرأي العام المحلي والدولي”.
توقيت مريب: بين الاعتصام و”التحقيق الفوري”
ليست هذه اتهامات عشوائية. فتوقيت التفجير — بعد أشهر من تصاعد الاعتصام، وقبيل جمعة كانت ستشهد حشودًا كبيرة — يثير علامات استفهام. كما أن الإعلان السريع عن “ضبط متورطين” دون نشر أدلة أو أسماء، يعكس نمطًا متكررًا في تعز: تصريحات تهدئة تسبق تحقيقًا حقيقيًا نادرًا ما يُفضي إلى محاكمات.
بيان الأسرة: الغضب على الفشل الأمني المتراكم
أسرة الشهيدة أفتِهان المشهري رفضت هذا المنطق في بيان حاد اللهجة، أكدت فيه أن “استمرار العنف وغياب الأمن يدفع المدنيون وحدهم ثمن الفشل المتراكم في أداء الواجبات الأمنية”، مشيرة إلى أن “الانفلات الأمني نفسه هو الذي قاد إلى كارثة اليوم، وهو ذاته الذي سبق أن قاد إلى جريمة اغتيال أفتِهان”. وطالبت الأسرة بتحقيق مستقل، محذّرة من أن “المعالجات الانتقائية والقفز على جوهر المشكلة لن يؤديا إلا إلى تكرار المآسي”.
الاختلال الأمني: خدمة الجناح السياسي على حساب المدنيين
هذا السياق يبرز تناقضًا صارخًا: موارد أمنية تُسخّر لتفكيك خيام سلمية، فيما تبقى ملفات اغتيالات عالقة — من بينها اغتيال أفتِهان — دون حل، بل إن بعض المطلوبين فيها لم يُلاحقوا، بل حُميوا.
الحزب يصمت، والشكوك تتعمّق
حتى تاريخ نشر هذا التقرير، لم يصدر عن حزب الإصلاح أي تعليق على الاتهامات المتكررة بضلوع عناصر مرتبطة به في جرائم قتل سابقة، ولا على مطالب الأهالي بفتح ملفات الاغتيالات العالقة. كما لم يطالب الحزب بتحقيق مستقل أو دولي في تفجير شارع جمال، مكتفيًا بالدعوة إلى “محاسبة المجرمين” دون تحديد الجهة المخوّلة أو ضمانات الشفافية. هذا الصمت، في ظل تصاعد الشكوك حول دوافع التفجير وتوقيته، عمّق فجوة الثقة بين الحزب وقطاعات واسعة من سكان تعز الذين يرون في التفجير محاولة لتغطية فشل أمني مزمن، لا جريمة منسوبة إلى “طرف خارجي”.
الرسالة الحقيقية: قتل الدولة المدنية
الانفجار في شارع جمال لا يمكن قراءته بمعزل عن ساحة العدالة المجاورة. فكلا الحدثين — الجريمة والرد الأمني — يشكّلان وحدة واحدة: مدنية تُقتل، واحتجاج يُسكت. والضحية في الحالتين هي الدولة المدنية ذاتها، حين تتحول أجهزتها إلى أدوات تخدم جناحًا سياسيًا على حساب المواطنين.
الرسالة الأوضح، كما قال أبو عوذل، ليست في الانفجار ذاته، بل في محاولة إظهار الفاعل بوصفه “ضحية” في مدينة تعاني أصلًا انفلاتًا أمنيًا يدفع المدنيون ثمنه يوميًا.
واقع بلا تحقيق
حتى الآن، لم يُعلن عن أي تفاصيل ملموسة حول هوية من خطّط للتفجير أو نفّذه: لا أسماء، لا صور، ولا مذكرات توقيف. فقط تصريحات عامة، وخطاب سياسي، وخيام ممزقة. وفي غياب تحقيق مستقل وشفاف، يبقى السؤال معلقًا: هل كان الدم في شارع جمال ثمنًا لهدوء سياسي مؤقت، أم أن تعز دخلت مرحلة يُستخدم فيها الإرهاب — الحقيقي أو المفتعل — أداة لإدارة الخلاف الداخلي بدماء المدنيين؟