اعلان كاك بنك صحيفة النقابي.

الجنوب بين عقاب السعودية وفساد عتاولة اليمن.. الغاز كان هُنا

النقابي الجنوبي/الجنوب/ متابعات

في مشهد يومي يعيد إنتاج مأساة شعب بأكمله، يقف المواطن في العاصمة عدن وبقية المحافظات الجنوبية طوابير طويلة أمام محطات الغاز، حاملاً ماله وعبواته الفارغة، مستعداً لدفع الثمن المقرر لتلك السلعة الأساسية. المفاجأة؟ يصل دوره ليسمع العبارة ذاتها: “لا يوجد غاز”. نحن هنا لا نطالب بغاز مجاني، ولا ننتظر منّة من أحد. نحن على استعداد تام لدفع قيمته كاملة، كما نفعل مع كل سلعة. لكن السؤال الذي يحير الملايين: لماذا لا يأتينا الغاز الذي نحن مستعدون لشرائه بأموالنا؟ كيف نؤدي التزامنا بدفع الثمن، بينما يبقى حقنا في الحصول على السلعة مسلوباً؟ هذه المعاناة المتعمدة التي تطال الخبز والكهرباء والرواتب، هل هي مجرد فساد إداري، أم أنها عقاب جماعي يُمارس بحق أبناء الجنوب؟

المؤشرات الميدانية والتقارير الموثقة لا تترك مجالاً للشك في أن ما يحدث يتجاوز بكثير مفهوم “العجز” أو “النقص”. إنها أزمة مُفتعلة بامتياز، تنمو في ظل غياب الدولة وتفتت القرار السياسي، وتتغذى على تداخل مأساوي بين فساد مستحكم وأجندة سياسية تسعى لابتزاز المواطن.

الفساد.. العدو الأول للمواطن

عندما تُمنع قاطرات الغاز المتجهة من مأرب إلى الجنوب من قبل قطاعات قبلية مسلحة، وتُفرض عليها الإتاوات، ويتعرض سائقوها للاعتداء، فهذا هو الفساد بوجهه القبيح. لكن الأكثر صدمة هو ما كشفته تحقيقات صحفية استقصائية، بأن أكثر من 70% من الغاز المنتج محلياً لا يصل إلى السوق المحلية، بل يُهرب إلى الخارج، وتحديداً إلى موانئ القرن الأفريقي عبر سواحل المهرة وحضرموت. تخيل أن المواطن الجنوبي مستعد لدفع ثمن الغاز من جيبه، لكن الكميات الأساسية تُباع في جيبوتي والصومال على مرأى ومسمع الجميع! هذا ليس فساداً عادياً، بل هو نهب منظم للثروة الوطنية وتجويع متعمد للشعب.

العقاب الجماعي.. ابتزاز تحت ستار السياسة

عندما تتحول أزمة الخدمات إلى سلاح في يد قوى النفوذ، تتحول المعاناة اليومية إلى عقاب جماعي ممنهج. قطع الرواتب لشهور طويلة، حرمان المدن من أبسط حقوقها في الكهرباء والماء، والتلاعب بمشتقات النفط والغاز، كلها أدوات تستخدم لكسر إرادة الناس وإذلالهم. كثير من المحللين والمراقبين يرون في هذا المشهد “حرباً اقتصادية وإنسانية مكتملة الأركان” تهدف إلى إخضاع المحافظات الجنوبية وإجبار أبنائها على القبول بواقع سياسي لا يريدونه. إنها معادلة صادمة: يُحرَم المواطن من أبسط مقومات الحياة ليُثنى عن المطالبة بحقوقه المشروعة.

غياب الدولة.. الحاضن الأول للأزمة

في النهاية، يبقى السبب الجذري لهذه المعاناة هو انهيار مؤسسات الدولة وهشاشتها المزمنة. اعتراف الحكومة نفسها بأنها تعمل على إعداد موازنة عامة لأول مرة منذ العام 2019، وتأكيدها على وجود اختلالات كبيرة في تحصيل الإيرادات وضرورة مكافحة الهدر والفساد، هو دليل قاطع على أن الأزمة مؤسسية. في ظل هذا الفراغ، تتحكم النخب المتصارعة والميليشيات والمتنفذون بمقدرات الناس، ويصبح المواطن العادي هو الضحية الأولى والأخيرة.

بين الأمل والواقع

يبقى الأمل الوحيد معقوداً على إرادة حقيقية لمكافحة هذا الفساد المستشري، وعلى تحويل الدعم الإقليمي الكبير (كالدعم السعودي المخصص لدعم الرواتب والموازنة) إلى فرصة تاريخية لبناء مؤسسات قادرة على فرض هيبة الدولة وتأمين الخدمات. لكن هذا مرهون بوقف سياسات العقاب الجماعي، ومحاكمة الفاسدين، وتأمين وصول السلع والخدمات إلى كل مواطن.

إن معاناة أبناء عدن والجنوب من انعدام الغاز والخدمات ليست قدراً محتوماً، بل هي نتيجة حتمية لسياسات خاطئة وفساد متفشٍ. ونسأل الله أن يرحم ضعفنا، وأن يلهم المسؤولين الرشد والعدل، وأن يعوض أهلنا في الجنوب خيراً عما يلقون من حرمان

شبوة برس

زر الذهاب إلى الأعلى