قضية الجنوب.. قضية هوية وكرامة

وضاح عبدالله الفقيه
قضية الجنوب ليست وليدة لحظةٍ عابرة ولا صدى خلافٍ سياسي طارئ بل هي نتاج سنواتٍ طويلة من المعاناة منذ قيام الوحدة عام 1990م وما تلاها من حرب 1994م التي حوّلت الشراكة إلى غلبة وحولت الاتفاق إلى واقعٍ مفروض بالقوة. ومنذ ذلك الحين تعرض الجنوب أرضاً وإنسانا لسياسات الإقصاء والتهميش وتسريح الكوادر ونهب الأراضي ومحاولات طمس الهوية السياسية والوطنية.
وقد قال الله تعالى:
( ولا تظلمون ولا تُظلمون ) سورة البقرة الاية279
فالجنوب حين يطالب بحقوقه ويطالب باستعادة دولته وهويته لا يطلب اعتداءً على أحد ولا يسعى لظلم أحد وإنما يطالب برفع الظلم عنه واسترداد حقٍ يراه مشروعاً.
والشرع أقرّ أن رفع الظلم مقصدٌ عظيم من مقاصد الدين وأن نصرة المظلوم واجب قال صلى الله عليه وسلم: ( انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً ) أي ترده عن ظلمه وتنصره إن كان مظلوماً.
لقد دفع الجنوبيون ثمناً باهظاً من دمائهم في مواجهة الإرهاب وفي التصدي للحوثيين وفي تثبيت الأمن في أرضهم وكانوا في كثير من المحطات رأس الحربة في الدفاع عن المنطقة بأسرها.
وكانت القوات الجنوبية في كثير من المحطات حليفاً ميدانياً للتحالف العربي تقاتل في خندقٍ واحد ضد مشروعٍ انقلابي يهدد الجميع.
غير أن من أشد ما ترك أثراً بالغاً في الوجدان الجنوبي ما تعرضت له تلك القوات من استهدافٍ مباشر بالقصف في مناطق كحضرموت والضالع وسقوط شهداء وجرحى وتدمير آلياتٍ عسكرية لقوات كانت في الأصل تقاتل ضمن إطار التحالف وتُعد حليفاً له.
ومثل هذه الأحداث أياً كانت مبرراتها السياسية أو العسكرية خلفت جرحاً عميقاً وشعوراً بالغدر والخيانة لدى أبناء الجنوب الذين كانوا ينظرون إلى السعودية بوصفها شريكاً في المعركة لا خصماً فيها.
ومع ذلك فإن المنهج الإسلامي العادل يقتضي أن نُقوّم الأمور بميزان الحق لا بميزان الغضب.
فالسياسة تحكمها المصالح وقد تتغير التحالفات لكن الدم المسلم يبقى معصوماً والواجب الشرعي هو
السعي لحقنه لا لإراقته. قال صلى الله عليه وسلم: ( لزوال الدنيا أهون عند الله من قتل امرئ مسلم ).
إن قضية الجنوب في نظر أبنائه قضية هوية وكرامة وعدالة وليست قضية انتقام أو تصفية حسابات. هي سعيٌ لاستعادة دولة كانت قائمة قبل عام 1990م وفق رؤية سياسية يتبناها كل ابناء الجنوب ويعبر عنها المجلس الانتقالي الجنوبي باعتباره ممثلاً سياسياً لمشروع الاستعادة في نظر أنصاره.
والكلمة الصادقة هنا أن الجنوب عانى من ألم الوحدة حين تحولت من شراكة إلى هيمنة وعانى من بطش الإرهاب وعانى من خيبات بعض التحالفات السياسية، بل ومن استهدافٍ طال قواته وهي في صف الحلفاء. ومن حقه أن يطالب بمستقبلٍ يحفظ كرامته وأمنه واستقراره عبر وسائل سياسية مسؤولة تُعلي مصلحة شعبه وتحفظ الدماء وتصون النسيج الاجتماعي.
نسأل الله أن يرفع الظلم عن كل مظلوم وأن يجمع كلمة المسلمين على الحق وأن يجنب الجنوب وأهله الفتن والاقتتال وأن يكتب لهم من أمرهم رشداً وأن يجعل تضحياتهم طريقاً إلى أمنٍ واستقرارٍ وعدل.