اعلان كاك بنك صحيفة النقابي.

حين يصبح المديح ستارًا للوصاية: الوزير مختار اليافعي والرياض بين خطاب الشراكة ومشروع إعادة هندسة قضية شعب الجنوب

بقلم: د. أمين العلياني

ليست المشكلة في أن يشكر مسؤول جنوبي المملكة العربية السعودية على ما تقدمه من دعم مالي أو إنساني أو خدمي، وليست المشكلة في أن يثمّن استضافتها للقيادات الجنوبية أو إتاحة مساحة إعلامية للتعبير عن بعض المواقف الجنوبية؛ فالشكر لا ينتقص من الحقوق، وتقدير المواقف لا يتعارض مع النقد السياسي؛ غير أن المشكلة الحقيقية تبدأ حين يتحول المديح إلى أداة لحجب الوقائع، وحين تُستدعى المساعدات الاقتصادية والعسكرية لتجميل صورة سياسات تتعارض نتائج بعضها مع جوهر المشروع الوطني الذي يناضل شعب الجنوب من أجل تحقيقه، وحين يُراد من الرأي العام أن يقرأ العلاقة مع الرياض من نافذة واحدة، هي نافذة الامتنان، لا من نافذة المصالح والحقوق وموازين القرار والنتائج المترتبة على السياسات والممارسات.
ومن هذه الزاوية تحديدًا ينبغي قراءة مقالة الوزير مختار اليافعي، التي يقدم فيها المملكة العربية السعودية بوصفها حليفًا صادقًا للجنوب، ويستعرض مظاهر الدعم السياسي والإعلامي والعسكري والخدمي، ثم ينتهي إلى خلاصة سياسية مفادها أن مفتاح الحل لقضية شعب الجنوب يوجد في الرياض، وأن دورها أساسي في الوصول إلى حل يصون كرامته ويعبر عن تطلعاته.
قد يبدو هذا الخطاب، للوهلة الأولى، مجرد تعبير عن الامتنان والتقدير، لكنه عند إخضاعه للتفكيك السياسي يكشف عن إشكالية أعمق من مجرد الإشادة بدولة إقليمية؛ إذ ينقل مركز الثقل من حق شعب الجنوب في امتلاك قراره وتحديد مستقبله إلى الدور الذي تمنحه الرياض لنفسها في إدارة قضية شعبه وتحديد مساراتها ومحددات تمثيلها. وهنا يصبح السؤال الذي تجاهلته مقالة الوزير اليافعي أكثر أهمية من كل ما أوردته: إذا كانت المملكة حليفًا صادقًا لقضية شعب الجنوب، فكيف يمكن تفسير التباينات الحادة بين خطاب الشراكة المعلن وبين السياسات والممارسات التي أعادت تشكيل المشهد الجنوبي، وأضعفت مؤسساته السياسية والعسكرية، وفتحت المجال أمام مسارات تمثيلية موازية؟
إن القضية هنا ليست قضية مديح أو ذم، ولا صراعًا مع المملكة بوصفها دولة ذات مصالح ونفوذ إقليمي، وإنما قضية حق سياسي لا يجوز أن يُختزل في حسابات العلاقات العامة، ولا أن تتحول المساعدات المقدمة للشعب إلى رصيد سياسي يُستخدم لتبرير سياسات تمس استقلالية قراره ومستقبل مشروعه الوطني.

ويستند الوزير اليافعي في بناء موقفه إلى مجموعة من المظاهر؛ فالقيادات الجنوبية تلتقي في الرياض، وعلم الجنوب يُرفع، ونشيده يُردد، وقناة جنوبية تبث من العاصمة السعودية، والقوات المسلحة الجنوبية تتلقى الدعم، والموظفون يستفيدون من الرواتب، ومحطات الكهرباء والمستشفيات تستفيد من المساعدات، وهي وقائع يمكن تقدير ما تحمله من جوانب إيجابية رغم شحتها وزهدها، لكنها لا تصلح، بمفردها، دليلًا على أن السياسة السعودية تتبنى مشروع استعادة دولة الجنوب المستقلة، أو أنها تضع حق شعب الجنوب في تقرير مصيره فوق اعتبارات التسوية الإقليمية ومتطلبات إعادة ترتيب السلطة في اليمن جنوبًا وشمالًا؛ فالخلط بين الدعم المادي والالتزام السياسي مغالطة لا ينبغي أن يقع فيها مسؤول بحجم وزير ويفترض أنه يدرك الفارق بين حقوق الشعوب وحسابات الدول. ومن هنا فقد تدعم دولة اقتصاد بلد، وتمول مؤسساته، وتقدم المساعدات لمواطنيه، لكنها في الوقت نفسه تتبنى إطارًا سياسيًّا لا يتفق مع تطلعات شعب الجنوب، وقد تستضيف قياداته وتتيح لها المنابر، لكنها لا توافق على كامل مشروعها السياسي، وقد تمول قواته، بينما تعمل على إعادة تنظيم مرجعيتها العسكرية والإدارية وفق ترتيبات تتجاوز استقلالية قرار الوطني وهويتها الجنوبية.
فأين الدليل في كل ذلك على أن المملكة تتبنى استعادة الدولة الجنوبية المستقلة؟ وأين الضمانة بأن الدعم الذي تقدمه لن يتحول إلى مدخل لإعادة ترتيب مراكز القوة والتمثيل؟ وأين الموقف الذي يحسم التناقض بين حق الجنوبيين في اختيار مستقبلهم وبين ربط قضيتهم بتسوية سياسية يمنية شاملة؟
إن الوزير اليافعي لم يناقش هذه الأسئلة، بل تجاوزها جميعًا، وانتقل مباشرة من تعداد المساعدات إلى إعلان أن مفتاح الحل في الرياض. وهذه ليست نتيجة تفرضها الوقائع التي أوردها، وإنما امتداح سياسي يحتاج منه إلى مراجعة جدية لما أعلنته المملكة وما مارسته على الأرض.

وتكمن إحدى أهم نقاط التناقض في البيان الصادر عن وزارة الخارجية السعودية في 25 ديسمبر 2025 بشأن التطورات في حضرموت والمهرة؛ إذ وصف البيان قضية شعب الجنوب بأنها قضية عادلة ذات أبعاد تاريخية واجتماعية، وربط معالجتها بالحوار ضمن الحل السياسي الشامل في اليمن، مع تأكيد دعم مجلس القيادة الرئاسي والحكومة اليمنية.
وهنا تظهر المعضلة السياسية التي لا يمكن للمديح أن يحجبها لان هناك ثمة فارق جوهري بين الاعتراف بقضية شعب الجنوب بوصفها قضية شعب له حق في تقرير مستقبله السياسي، وبين التعامل معها بوصفها ملفًا من ملفات التسوية اليمنية الشاملة، يمكن أن يُعاد تشكيله وفق تفاهمات الأطراف اليمنية وموازين القوى الإقليمية؛ فالمشروع الجنوبي يا معالي الوزير الذي تبلور عبر مسار طويل من النضال والتضحيات لا يطالب بمجرد تحسين شروط المشاركة في السلطة اليمنية، ولا بتوسيع الحصص داخل مؤسساتها، ولا بإعادة توزيع المناصب بين القوى المتصارعة على إدارة الدولة القائمة؛ وإنما ينطلق من قضية سياسية وتاريخية تتصل بهوية شعب الجنوب وحقه في استعادة دولته المستقلة، بصيغة اتحادية فيدرالية تستوعب التعدد الجغرافي والاجتماعي والسياسي، وتصون حق المحافظات في الشراكة والإدارة والقرار.
ومن ثم، فإن إدراج هذه قضية شعب الجنوب داخل تسوية يمنية شاملة دون ضمان حق تقرير المصير يطرح إشكالية تتعلق بطبيعة الحل نفسه: هل يجري التفاوض على حق شعب في اختيار دولته، أم يجري التفاوض على مقدار ما يمكن أن يحصل عليه من سلطة داخل إطار سياسي يحدده الآخرون؟
وهذا هو الفارق بين قضية وطنية ذات مرجعية شعبية، وملف سياسي قابل للمساومة والتدوير.

ولعل أخطر ما تواجهه قضية شعب الجنوب في هذه المرحلة ليس اختلاف الرؤى داخل البيت الجنوبي، فذلك أمر طبيعي في المجتمعات السياسية الحية، وإنما احتمال تحويل هذا الاختلاف إلى مدخل لإعادة تفكيك الإطار السياسي الذي تشكل حوله جانب أساسي من الإرادة الشعبية الجنوبية حول كيان سياسي موحد مثله المجلس الانتقالي الجنوبي وكان الوزير اليافعي أحد القيادات السياسية فيه. والمجلس الانتقالي الجنوبي جاء في سياق سياسي وشعبي موحد، واستند إلى تفويض شعبي منقطع النظير مثّل أساسًا سياسيًّا لتمثيل المشروع السياسي الجنوبي، ثم تطور المسار المؤسسي والسياسي من خلال الميثاق الوطني الجنوبي، والبيان السياسي، والإعلان الدستوري. وهذه المرجعيات، بصرف النظر عن ضرورة تطوير آلياتها وتعزيز المشاركة والمساءلة داخلها، تمثل محاولة لبناء إطار سياسي جامع يتجاوز مرحلة الشعارات إلى تحديد المبادئ والمرجعيات والتصورات المتعلقة بمستقبل الجنوب. غير أن الخطورة تكمن في المسارات البديلة التي تتبناها الرياض ويصفها الوزير بالحليف الصادق وهي مسارات جاءت بهدف إضعاف الكيان السياسي الموحد خدمة للحليف الصادق لا للشعب الذي كان بمقدور الوزير أن يصفه بالشعب الصادق؛ فالجنوب ليس ملكًا لحليف إقليمي يعبث به ويعمل على إقصاء قيادته واحتكار إرادة شعبه ومنع عنها الحق في العمل السياسي واختيار من تريد ممثلًا لها وهنا ليست المشكلة وحدها وإنما تكمن في أن تتحول صناعة هذه المكونات إلى وسيلة لموازنة الكيان السياسي القائم في المجلس الانتقالي، وإضعاف مرجعيته، وتفكيك قاعدته التمثيلية، وإنتاج مراكز نفوذ متوازية يسهل التعامل معها بصورة منفردة، بدلاً من التعامل مع قضية وطنية ذات مشروع سياسي واضح ومرجعية شعبية معلنة.
ومن هنا تظهر المجالس التنسيقية في عدد من المحافظات أهمية بهدف خلط المشهد ليسهل إعاده رسمه وفق تطلعات الحليف الصادق حسب زعم الوزير اليافعي. وما يفسر هذا هو حين تتزامن هذه التشكيلات مع تحولات عسكرية وسياسية واسعة، ومع رعاية إقليمية لمسارات تمثيلية بديلة، يصبح من المشروع التساؤل عن طبيعة الدور الذي تؤديه، وعن معايير شرعيتها، وعن علاقتها بالتفويض الشعبي والمرجعيات الوطنية الجامعة.
إن التمثيل السياسي لا يُصنع بمجرد الإعلان عن مجالس جديدة، ولا تمنحه الرعاية المالية أو السياسية، ولا تمنحه الاجتماعات المغلقة في الرياض، بل التمثيل الحقيقي تصنعه القاعدة الشعبية، وتثبته آليات الاختيار والتفويض والمساءلة، ويمنحه المجتمع شرعيته عبر مؤسسات وطنية واضحة.
وإذا كان أبناء الجنوب قد فوضوا إطارًا سياسيًّا للتعبير عن مشروعهم، فإن الطريق الديمقراطي لمعالجة أي خلاف حول هذا التفويض هو الاحتكام إلى الشعب وآليات التمثيل الحر، لا صناعة بدائل متوازية تستمد حضورها من موازين الرعاية الخارجية؛ فأي تعددية لا تحترم حق الشعب في الاختيار قد تتحول من قيمة ديمقراطية إلى غطاء لإعادة هندسة التمثيل.
ومن هنا يأتي السؤال لماذا تريد الرياض تعدد الممثلين؟ ولا يمكن قراءة تعدد المسارات السياسية بمعزل عن طبيعة المصالح الإقليمية؛ فالدولة التي تتعامل مع كيان سياسي جنوبي موحد وذي مشروع معلن تواجه طرفًا يمتلك مرجعية ومطالب محددة، ويمكنه التفاوض على أساس تفويض سياسي معلوم. أما حين يصبح المشهد موزعًا بين مجالس تنسيقية ومكونات محلية ومرجعيات متباينة، فإن عملية التفاوض تصبح أكثر تعقيدًا، ويغدو تحديد الطرف الذي يتحدث باسم الجنوب موضع تنازع مستمر.
وهنا تبرز فرضية سياسية تستحق الفحص: هل تؤدي تعددية المسارات، في ظل تفاوت الدعم والاعتراف الخارجي، إلى توسيع المشاركة الجنوبية فعلًا، أم أنها تنتج بيئة تفاوضية تسمح بإعادة تعريف قضية شعب الجنوب وفق محددات الجهة الراعية؟
إن تعدد المكونات قد يكون تعبيرًا عن حيوية المجتمع وتنوعه، لكنه يصبح إشكاليًّا عندما يُستخدم لتفتيت مركز القرار، أو لتخفيض سقف المطالب، أو لإحلال تمثيل انتقائي محل التفويض الشعبي.
ومن منظور المصالح، فإن التعامل مع مكونات متعددة يسهل توزيع النفوذ بينها، وبناء تفاهمات جزئية معها، وربط كل مسار بحساباته المحلية والخاصة، بينما يصبح التعامل مع مشروع سياسي موحد أكثر ارتباطًا بضرورة مناقشة الهدف النهائي نفسه.
وهذا لا يثبت وحده وجود خطة سعودية معلنة لتفكيك المجلس الانتقالي، لكنه يوضح كيف يمكن أن تنتج السياسات القائمة على تعدد المكونات نتائج تؤدي عمليًّا إلى إضعاف وحدة الموقف الجنوبي، بصرف النظر عن النوايا المعلنة.
والسؤال الذي ينبغي أن يجيب عنه الوزير اليافعي ليس كم مجلسًا جنوبيًّا استضافت الرياض، ولا كم شخصية التقت بصناع القرار، بل ما إذا كانت هذه التشكيلات تعزز قدرة الشعب على تقرير مصيره، أم تعيد تشكيل قضيته لتصبح أكثر قابلية للإدارة من الخارج.

ولا يمكن الحديث عن صدق التحالف دون التوقف أمام ما شهدته حضرموت والمهرة من تطورات عسكرية وسياسية، وما رافقها من خلافات بين المجلس الانتقالي والرياض، ثم التدخلات العسكرية وإعادة ترتيب مواقع النفوذ والقيادة؛ فحين يُقدَّم الدور السعودي بوصفه شراكة قائمة على احترام الإرادة الجنوبية، يصبح من الضروري تفسير التباين بين هذا الخطاب وبين المواقف التي اتخذتها المملكة تجاه التحركات العسكرية الجنوبية، والضغوط السياسية التي رافقت تلك التطورات، وما أعقبها من تغيرات في مراكز التمثيل والنفوذ.
إن المشكلة ليست في اختلاف دولة مع مكون سياسي جنوبي، فالاختلاف بين الحلفاء أمر وارد، وإنما في الكيفية التي يُدار بها هذا الاختلاف: هل عبر الحوار والضمانات السياسية واحترام الإرادة الشعبية، أم عبر إجراءات عسكرية وسياسية تؤثر في بنية التمثيل الجنوبي وتعيد تشكيل موازين القوة؟
وهل يُعقل أن تكون وحدة الصف الجنوبي هدفًا معلنًا، بينما تتسع الفجوة بين المكونات، وتتراجع الثقة، وتزداد المنافسة على الاعتراف الخارجي؟
إن استقرار الجنوب لا يتحقق بمجرد تغيير القيادات أو إعادة توزيع النفوذ، بل يحتاج إلى صيغة سياسية تحترم إرادة شعبه واحترام قيادته المفوضة منه، وتضمن مشاركتهم، وتحول دون استخدام التباينات الداخلية لتقويض المشروع الوطني الجامع.

إن أخطر ما يمكن أن يحدث لقضية شعب الجنوب هو أن تُفرغ من مضمونها الوطني، وأن تتحول من مشروع تحرري يستند إلى حق شعب في استعادة دولته إلى مشروع سلطة يبحث عن موقع داخل معادلة الحكم اليمنية، أو عن حصة في مؤسساتها، أو عن اعتراف إقليمي يسمح له بإدارة بعض الملفات المحلية دون امتلاك حق تقرير المستقبل السياسي؛ فقضية شعب الجنوب ليست صراعًا على المناصب، ولا منافسة على الحصص الوزارية، ولا نزاعًا بين نخب تسعى إلى تثبيت حضورها في مؤسسات السلطة، بل هي قضية هوية وانتماء وتاريخ ودولة وشعب، وهي قضية ترتبط بواقع سياسي سابق على وحدة 1990م، وبالتحولات التي أعقبتها، وبما ترتب عليها من صراع سياسي وعسكري، وبالمطالب الشعبية التي تطورت لاحقًا باتجاه استعادة الدولة، والجنوب ليس مجرد رقعة جغرافية أو مجموعة محافظات يمكن توزيعها على مجالس ومكونات، بل هو فضاء تاريخي واجتماعي وسياسي له خصوصيته وهويته وإرثه الحضاري ومؤسساته وتجربته الدولتية التي سبقت الوحدة اليمنية عام 1990م.
إن اختزال هذه الحقيقة في توصيف قضية شعب الجنوب بأنها ذات أبعاد تاريخية واجتماعية، دون الاعتراف بأبعادها السياسية والسيادية، يفتح الباب أمام التعامل معها بوصفها مسألة حقوق ومشاركة وتمثيل داخل تسوية أوسع، بدلًا من التعامل معها بوصفها قضية تتصل بحق شعب في اختيار شكل دولته ومستقبله.
وهنا ينبغي أن يكون السؤال واضحًا: هل المطلوب حل قضية شعب الجنوب، أم إدارة قضية شعب الجنوب؟ فهناك فارق كبير بين الاثنين.
حل قضية شعب الجنوب يعني معالجة جذورها السياسية والتاريخية وفق إرادة أصحابها، أما إدارتها فتعني إبقاءها ضمن مسارات تفاوضية مفتوحة، وإعادة ترتيب مكوناتها وقياداتها ومطالبها، بحيث تظل قابلة للتكيف مع متطلبات التسويات الإقليمية واليمنية.
إن المشروع الذي يمكن احتواؤه داخل سلطة قائمة ليس هو بالضرورة المشروع الذي يريده الشعب، والمشروع الذي يتحول إلى مجرد شراكة في إدارة الأزمة يفقد جوهره إذا كان هدف أصحابه استعادة الدولة والسيادة والقرار المستقل.
ومن حق الوزير مختار اليافعي أن يعبّر عن تقديره للمملكة، ومن حقه أن يرى في الرياض طرفًا أساسيًّا في أي تسوية سياسية مقبلة، لكن موقعه الوزاري يفرض عليه مسؤولية أكبر من مجرد استعراض المساعدات وإعلان الامتنان؛ فالمسؤول الذي يتحدث باسم قضية شعب لا ينبغي أن يكتفي بما تقدمه دولة إقليمية، بل عليه أن يسأل عما إذا كانت سياساتها تحترم الحقوق التي يفترض أنه يمثلها، وما إذا كانت ترتيباتها السياسية والعسكرية تضمن للشعب امتلاك قراره، وما إذا كان الدعم المعلن ينسجم مع الهدف الوطني الذي قامت عليه التضحيات.
أما أن تُستدعى الكهرباء والرواتب والمستشفيات والفرص الاقتصادية لتقديم صورة مكتملة عن صدق التحالف، دون مناقشة التباينات السياسية والعسكرية، فذلك يضع الخطاب أمام مشكلة الانتقائية.
والأخطر أن الانتقال من الإشادة بالدعم إلى القول إن مفتاح الحل في الرياض قد يسهم في إعادة تشكيل وعي الجمهور تجاه مصدر الشرعية السياسية، فيصبح رضا الراعي الإقليمي معيارًا للواقعية، بينما يُدفع التفويض الشعبي إلى المرتبة الثانية.
وهذه هي المسألة التي ينبغي التنبه إليها في خطاب الوزير: ليس لأنه مدح المملكة، وإنما لأنه لم يضع حدودًا سياسية واضحة بين تقدير الدعم وبين استقلالية القرار، ولم يحدد أين تنتهي وظيفة الراعي الإقليمي وأين تبدأ حقوق الشعب الذي يفترض أن يكون صاحب القضية؛ فالوعي السياسي لا يُبنى على الامتنان وحده، ولا على استحضار الإيجابيات وإخفاء التناقضات، وإنما على قراءة متكاملة للمصالح والمواقف والنتائج.
ولا يجوز أن يتحول المديح السياسي إلى وسيلة لإعادة تعريف قضية شعب الجنوب أو تسويق مسار لا يحظى بضمانات شعبية واضحة؛ فالجنوب يا معالي الوزير ليس مشروعًا قابلًا لإعادة التفصيل وفق مقاسات العواصم، بل أن قضية شعب الجنوب أكبر من أن تُختزل في علاقة شخصية بين مسؤول وراعٍ إقليمي، وأعمق من أن تُقاس بعدد الاجتماعات أو المساعدات أو المنابر الإعلامية. إنها قضية شعب تشكلت إرادته السياسية عبر عقود من التجربة والتضحيات، ولا يجوز التعامل معها بوصفها ملفًا يمكن إعادة ترتيبه كلما تغيرت الحسابات الإقليمية.
ومن هنا فإن احترام المملكة، وتقدير دورها الإقليمي، لا يتعارضان مع مطالبتها بموقف واضح يحترم حق شعب الجنوب في تقرير مصيره، بل إن العلاقة المتوازنة تقتضي أن تكون المصالح المشتركة قائمة على الاعتراف المتبادل، لا على اختلال موازين القرار، وألا تتحول المساعدات إلى بديل عن الحقوق، أو الاستضافة إلى بديل عن الاعتراف، أو الحوار إلى وسيلة لتجاوز التفويض الشعبي.
وإذا كانت الرياض تريد بالفعل أن تكون شريكًا في الوصول إلى حل عادل، فإن الطريق إلى ذلك لا يمر عبر تعدد المكونات المتنافسة على شرعية التمثيل، ولا عبر إضعاف المرجعيات السياسية القائمة، ولا عبر إخضاع قضية شعب الجنوب لمحددات تسوية يمنية لا تضمن حق الجنوبيين في اختيار مستقبلهم.
إن الطريق يبدأ بالاعتراف بأن الجنوب قضية شعب، وأن التمثيل حق لأبنائه، وأن استعادة الدولة خيار سياسي لا يجوز مصادرته أو استبداله بترتيبات سلطوية لا تعالج جذور القضية.
كما أن المجلس الانتقالي، بوصفه كيانًا سياسيًّا يستند إلى مرجعيات معلنة وتفويض شعبي، ليس فوق النقد أو المساءلة، لكنه لا يجوز أن يُستبدل بكيانات تُنشأ من خارج الإرادة الشعبية، ولا أن يُلغى دوره بقرار إقليمي، والفيصل في شرعية أي إطار سياسي يظل هو الشعب، عبر آليات حرة وشفافة تتيح له الاختيار والمراجعة والتجديد.

يا وزير مختار اليافعي، إن تقدير المملكة لا يستلزم إغفال التناقضات، والامتنان للمساعدات لا يعني التنازل عن الحقوق، والاعتراف بالدور السعودي لا يعني نقل السيادة على القرار الجنوبي إلى الرياض. وكان الأجدر بمقالتك أن تضع الشراكة أمام اختبار الحقيقة، وأن تسأل عن مصير المشروع الجنوبي في ظل إعادة تشكيل التمثيل السياسي والعسكري، وأن تناقش التباين بين خطاب دعم قضية شعب الجنوب وبين ربط حلها بالتسوية اليمنية الشاملة، وأن تميز بين دعم شعب الجنوب وبين إدارة قضيته وفق أولويات الآخرين؛ فليس المطلوب أن يعادي الجنوب المملكة، وليس المطلوب أن ينكر ما تقدمه، وإنما المطلوب أن تكون العلاقة معها علاقة احترام ومصالح متبادلة، لا علاقة امتنان سياسي يضعف القدرة على النقد والمطالبة بالحقوق.
إن شعب الجنوب لا يطلب من الرياض أن تمنحه هويته، ولا أن تصنع له تاريخه، ولا أن تختار له ممثليه، ولا أن تقرر نيابةً عنه شكل دولته، بل يطالب باحترام حقه في أن يكون صاحب القرار في قضيته، وأن يختار ممثليه بإرادته، وأن يحدد مستقبله السياسي بعيدًا عن الوصاية والإملاءات؛ فالجنوب ليس مجموعة مجالس تنتظر اعتراف العواصم، ولا مكونات تتنافس على رضا الرعاة، ولا سلطة تبحث عن حصة في تسوية يمنية؛ الجنوب شعب له هوية وأرض وتاريخ وإرادة سياسية، ومشروعه الوطني هو استعادة دولته المستقلة الفيدرالية، وفق ما يقرره أبناؤه بإرادة حرة.
ومن يخلط بين الدعم والحق، وبين الشراكة والوصاية، وبين الحوار ومصادرة الإرادة، فإنه لا يقدم حلًا لقضية شعبه، بل يساهم، بقصد أو بغير قصد، في إبعادها عن جوهرها.
أما الرياض، فمهما امتلكت من نفوذ سياسي واقتصادي وعسكري، فإنها تستطيع أن تكون شريكًا في صناعة الحل، لكنها لا تستطيع أن تكون صاحبة القضية، ولا أن تحل محل شعبها في تقرير المصير؛ فقضية شعب الجنوب لا تحتاج إلى من يجمّل واقعها بالمديح، بقدر ما تحتاج إلى من يحمي حقيقتها من الاختزال، وقرارها من المصادرة، ومشروعها من الاحتواء، والتاريخ لا يكتبه الذين يرضون بمقاعد في تسويات الآخرين، وإنما تكتبه الشعوب التي تتمسك بحقها في أن تكون صاحبة وطنها ومستقبلها وقرارها.

والله المستعان

زر الذهاب إلى الأعلى