اعلان كاك بنك صحيفة النقابي.

أي عظمة هذه؟

راشد العنزي، صحفي سعودي

لا أخفيكم سرًا، وأنا أكتب هذه الكلمات من موقع المراقب لا المنحاز، أنني صرت مدمنًا على متابعة كل ما يجري في جنوب اليمن. ليست مجرد متابعة عابرة لأحداث سياسية أو تقارير إخبارية، بل حالة من الدهشة المستمرة أمام شعب يصنع من الألم قوة، ومن التهميش حضورًا، ومن الصمت صرخةً تُسمع رغم كل محاولات الإخماد.

أي عظمة هذه؟
أي معدنٍ نادرٍ هذا الذي يُصاغ منه هذا الشعب؟

شعبٌ بسيط في ظاهره، لكنه عميق كالتاريخ، صلب كالجغرافيا، وعنيد كالحلم الذي لا يموت.
شعب يؤمن بقضيته كما يؤمن الإنسان بوجوده، لا يتردد، لا يتراجع، ولا يساوم. يرى هدفه واضحًا أمامه: وطن مستقل، ودولة قائمة، وهو مستعد أن يدفع ثمن ذلك صبرًا وجوعًا وتضحية.

ما لفت انتباهي ليس فقط حجم المعاناة التي يعيشها هذا الشعب، بل الطريقة التي يواجه بها هذه المعاناة.
تُحارَب لقمة عيشه، تُقطع عنه الخدمات، يُضيَّق عليه في كل تفاصيل حياته، يُستفز ويُستهدف، ومع ذلك لا ينكسر. بل على العكس، يزداد صلابة، وكأن كل محاولة لإضعافه تتحول إلى وقود جديد يعزز عزيمته.

الإعلام يتجاهله، الاقتصاد يُرهقه، والسياسة تحاول تهميشه… لكنه حاضر. حاضر في الميدان، حاضر في الوعي، حاضر في كل لحظة يقرر فيها أن يقول: “نحن هنا”.

والأكثر إدهاشًا، تلك العلاقة الفريدة بين هذا الشعب وقيادته.
ليست علاقة خوف أو فرض واقع، بل علاقة ثقة عميقة، أقرب ما تكون إلى إيمان جماعي بمسار واحد. مجرد إشارة، مجرد رسالة، كفيلة بأن تُخرج الملايين إلى الشوارع، لا بدافع الإكراه، بل بدافع القناعة والانتماء.

لقد شاهد العالم، وشاهدتُ أنا قبل غيري، مشاهد يصعب تفسيرها بالمعايير التقليدية:
ملايين تخرج، بنفس واحد، بصوت واحد، بهدف واحد… تجدد العهد، وتعلن التفويض، وتؤكد أنها ماضية حتى النهاية.

هذه ليست حشودًا عابرة.
هذا شعب قرر أن يكون رقمًا صعبًا في معادلة لا ترحم.
قد يختلف معه البعض، قد يعارضه آخرون، لكن لا يمكن لأي مراقب منصف أن ينكر هذه الحقيقة:

نحن أمام شعب استثنائي، يُعيد تعريف الصمود، ويُثبت أن الإرادة الشعبية، حين تتجذر، تصبح أقوى من كل الضغوط.
في زمن تُشترى فيه المواقف، وتُبدل فيه القناعات، يبرز هذا الشعب كحالة نادرة: لا يُشترى، لا يُباع، ولا ينحني.

وهنا، كصحفي سعودي يتابع من بعيد، أجد نفسي أمام اعتراف لا بد منه:
هذا الشعب لا يمكن تجاهله بعد اليوم.
قصة هذا الشعب لم تعد خبرًا… بل أصبحت ظاهرة..

زر الذهاب إلى الأعلى