السعودية ومقايضة الرطل بالوقية

علي سيقلي
في كل مرة يُعلن فيها عن صفقة تبادل أسرى في اليمن، يشعر المواطن العادي أن هناك شيئًا مكسورًا في ميزان هذه الحرب، ليس فقط في الميدان، بل حتى في طريقة حساب البشر.
آخر اتفاق يتحدث عن إطلاق سراح أكثر من ألف ومئة أسير من الحوثيين، مقابل نحو خمسمئة وثمانين من الطرف الحكومي، بينهم سعوديون وسودانيون.
وهنا يبدأ السؤال الذي يطرحه الشارع قبل السياسيين:
كيف تُدار هذه الصفقات أصلًا؟
ولماذا يبدو الحوثي دائمًا وكأنه يفاوض من موقع المنتصر، حتى وهو محاصر اقتصاديًا وعسكريًا وسياسيًا؟
ولماذا تتحول الحكومة الشرعية والتحالف إلى طرف يدفع أكثر مما يأخذ، في كل مرة؟
المشكلة ليست في مبدأ التبادل نفسه، فكل أسير يعود إلى أمه هو انتصار إنساني، وكل باب سجن يُفتح في هذه البلاد يستحق الفرح.
لكن المعضلة الحقيقية تكمن في الرسالة السياسية التي تُرسلها مثل هذه الأرقام.
حين تطلق هذا العدد الضخم مقابل نصفه تقريبًا، فأنت لا تُجري مجرد عملية إنسانية، بل تعيد رسم صورة القوة والضعف أمام الداخل والخارج.
الناس لا تقرأ البيانات الأممية، بل تقرأ الأرقام.
والأرقام هنا تقول إن الحوثي يعرف جيدًا قيمة أسراه، بينما الطرف الآخر يبدو وكأنه مستعد لدفع أي فاتورة لإغلاق الملف، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بالأسرى السعوديين.
وهنا تحديدًا تتولد الحساسية الشعبية.
لأن المواطن اليمني البسيط يرى أن أبناء بلده ظلوا سنوات في المعتقلات، بينما تتحرك الدنيا كلها حين يتعلق الأمر بجندي سعودي ما يسوى ريالين.
فيشعر ـ ولو بصمت ـ أن دمه أقل قيمة في سوق الحرب.
المشهد مؤلم أكثر عندما تتحول الحرب كلها إلى ما يشبه “سوق مقايضة كبير”.
أسرى هنا مقابل تهدئة هناك، ومرتبات مقابل موانئ، وملفات إنسانية مقابل مكاسب سياسية.
أما اليمني نفسه، فقد أصبح مجرد بند تفاوضي يُفتح ويُغلق بحسب مزاج جارة السوء.
ثم يأتي السؤال الأكثر وجعًا:
إذا كانت النوايا إنسانية فعلًا، فلماذا لا يكون التبادل “الكل مقابل الكل”؟
أليس هذا ما ظل اليمنيون يسمعونه منذ سنوات؟
أم أن شعار “الكل مقابل الكل” مجرد عبارة للاستهلاك الإعلامي، بينما الواقع يقول إن لكل أسير سعرًا مختلفًا، بحسب جنسيته وموقعه وأهميته السياسية؟
الحوثي يفهم جيدًا قيمة الورقة التي يملكها.
ولهذا يتفاوض ببرود المنتصر، حتى في أحلك ظروفه.
أما الطرف الآخر، فيبدو غالبًا كمن يريد إنهاء الملف بأي ثمن، ولو بدا المشهد مختلًا أمام الناس.
وفي النهاية، لا أحد ضد عودة الأسرى.
فالقلوب المعلقة خلف القضبان لا تُقاس بالأرقام.
لكن الشعوب أيضًا تريد أن تشعر أن كرامتها ليست معروضة في مزاد الحرب، وأن أبناءها ليسوا مجرد أرقام فائضة في كشوفات التبادل.
لأن أخطر ما تفعله الحروب، ليس القتل فقط، بل تعويد الناس على فكرة أن بعض البشر “أغلى” من بعض.