تقرير خاص: اليد الخفية.. تتبع أثر الحوثيين في اغتيال مسؤول الصندوق الاجتماعي للتنمية بعدن

النقابي الجنوبي/خاص
في مساء الأحد 3 مايو 2026، لم تكن جثة وسام قائد، القائم بأعمال المدير التنفيذي للصندوق الاجتماعي للتنمية، مجرد دليل على جريمة قتل غامضة في عدن. بالنسبة للمحققين والمحللين، تحولت الجثة إلى مسرح جريمة أوسع، يمتد من شوارع مدينة إنماء إلى أروقة المال الدولية. لقد شكل هذا الاغتيال الحلقة الأكثر دموية في صراع محتدم ضد جماعة الحوثي للسيطرة على مليارات التمويلات. ومع أن الجريمة نُفذت بأيدٍ مجهولة حتى الآن، فإن الأدلة السياقية والتسلسل الزمني للأحداث يرجحان أن خيوطها تنتهي عند الذراع الأمنية للجماعة، التي صنفت الضحية كعقبة وجودية في طريق تحكمها بشريان الحياة المالي لليمن.
صراع عمره عقد: مئات الملايين تحت سيطرة صنعاء
ظل “الصندوق الاجتماعي للتنمية” على مدى عقد كامل أحد أضخم الكيانات المالية النشطة في اليمن. عبره تدفقت مئات الملايين، إن لم تكن مليارات، من التمويلات الدولية. الأهم أن هذه الأموال كانت تدار من صنعاء، تحت مظلة مليشيا الحوثي، وبشكل شبه كامل. في تقرير صادر عام 2025، وثّق معهد دراسات التنمية هذا المشهد معتبرًا أن الصندوق “أحد الكيانات القليلة القادرة على العمل في جميع أنحاء البلاد”، لكنه نبه في الوقت ذاته إلى تهديد متصاعد: “نمط من التدخل الحوثي المتزايد” بات يطال السجل الناجح للصندوق. لم يكن هذا التدخل إجرائيًا فحسب، بل كان استراتيجية منهجية تهدف إلى إطباق القبضة على موارد المانحين.
نقطة التحول: نقل السلطة المالية من صنعاء إلى عدن
جاءت اللحظة الفارقة في أغسطس 2025. أصدرت الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا والبنك المركزي قرارًا استراتيجيًا قضى بنقل إدارة الصندوق بالكامل إلى العاصمة عدن. ووفق وثيقة مؤرخة في 11 أغسطس، تم تعيين وسام قائد قائمًا بأعمال المدير التنفيذي، مع بند واضح: “إلغاء صلاحية التوقيع للمخولين السابقين التابعين للحوثيين، واعتماد توقيع المدير الجديد لجميع معاملات الصندوق”. مثل هذا القرار ضربة مالية هي الأقسى للجماعة، التي وجدت نفسها، بين ليلة وضحاها، خارج معادلة التمويلات الدولية التي طالما غذت اقتصاد حربها.
رد الفعل الحوثي: من التهديد الإداري إلى التصفية الجسدية
لم تكتفِ القيادة الحوثية في صنعاء بالاعتراض الدبلوماسي. في المرحلة التي سبقت الاغتيال، حاول مسؤولو الجماعة الاتصال بالمانحين الدوليين للضغط على الحكومة المعترف بها لوقف الإجراءات، غير أن الرد جاء بالرفض القاطع. هنا، أصدرت القيادة أوامرها بتعطيل نظام الصندوق وإغلاقه. قاد هذه العملية التخريبية مسؤولون حوثيون، على رأسهم عبدالله الديلمي وصالح الرازحي، في محاولة واضحة لشل قدرة وسام قائد على إدارة الأموال من عدن. عندما باءت هذه المناورة الإدارية بالفشل، واستمرت التمويلات تتدفق عبر المسار الجديد، لم يعد في جعبة الجماعة سوى خيارها المألوف: الرصاص. تصفية الخصوم، أو بالأحرى تصفية استراتيجياتهم، أداة عنف لجأت إليها الجماعة مرارًا، وهذه المرة بلغت ذروتها بجريمة تهز عدن.
نمط متكرر: الاغتيالات كأداة سياسية ولوجستية
ينظر مراقبون إلى تصفية وسام قائد باعتبارها حلقة جديدة في سلسلة موثقة من الاغتيالات تنفذها الجماعة لتصفية المعارضين أو لتعطيل مؤسسات الدولة عبر خلق حالة من الرعب. لكن هذه المرة كان الهدف مزدوجًا: التخلص من الرجل الذي يشغل المنصب، وتدمير “وظيفة” الرجل نفسه كونه البوابة التي يعبر منها المانحون إلى اليمن دون العبور بصنعاء. كما أن توقيت الاغتيال، بعد المفاوضات السعودية الحوثية مباشرة، ينطوي على رسالة مزدوجة المدى: للداخل اليمني بأن أيادي الجماعة تمتد إلى خصومها في عدن في عز النهار، وللمجتمع الدولي بأن الرهان على المؤسسات خارج صنعاء محفوف بمخاطر قاتلة.
ما بعد الاغتيال: استراتيجية المنصب الملغى
لكن نظرة أعمق إلى دوافع الجريمة تكشف أن هدف الحوثيين لا يتوقف عند حد استعادة السيطرة الفورية والمباشرة على التمويلات الدولية. فالمسار المالي الجديد الذي شيدته الحكومة بعدن مع المانحين لا ينهار آليًا بوفاة شخص واحد، والعودة بالعقارب إلى ما قبل أغسطس 2025 أمر بالغ التعقيد قانونيًا وسياسيًا. ما تسعى إليه الجماعة، بنجاح لافت، هو استراتيجية أكثر دهاءً وأقل كلفة: تعطيل المسار المالي البديل وإفشاله كخيار مستقبلي نهائيًا. ويتم ذلك عبر ثلاث ضربات متتابعة.
الضربة الأولى هي إحداث فراغ إداري فوري يصيب القيادة بالشلل. العثور على بديل يمتلك كفاءة وسام قائد وعلاقاته الدولية، ويقبل في الوقت نفسه تحمل المخاطر الأمنية ذاتها، مهمة شاقة قد تستنزف شهورًا، وهي مدة كافية لتجميد التمويلات الجديدة. أما الضربة الثانية فتكمن في بث الرعب في قلوب الخلفاء المحتملين. أي مسؤول يُطرح اسمه للمنصب سيفهم سريعًا أنه صار هدفًا محتملًا، فتتحول إدارة المال الدولي من عدن إلى مهمة انتحارية يعزف عنها الجميع. وتأتي الضربة الثالثة والأخطر عبر توجيه رسالة إلى المانحين فحواها أن الرهان على مؤسسات عدن خاسر، وأن أموالهم ومشاريعهم وحياة موظفيهم ليست في مأمن. هذه الرسالة تزرع التردد الشديد، وقد تدفع بعضهم للعودة إلى قنوات تمر بصنعاء بحكم الأمر الواقع.
تكشف هذه الاستراتيجية الثلاثية أن الحوثيين لا يحتاجون إلى التحكم المباشر بالمال ليحققوا نصرهم. هم ببساطة يدمرون الطريق الوحيد المؤدي إليه بعيدًا عنهم. إنها سياسة قديمة بثوب جديد: إن لم نحكم المال، فلن يحكمه أحد، وسيبقى حبيس التعقيدات الأمنية، أو سيضطر للعودة إلى حيث تريده الجماعة.
منصب أُلغي بالرصاص
في لعبة الظلال التي تديرها جماعة الحوثي، لا تقاس القوة بعدد الأميال المسيطر عليها فقط، بل بالقدرة على إجهاض أي مشروع سيادي للدولة في مناطق خصومها. اغتيال وسام قائد ليس مجرد جريمة قتل. إنه تتويج بالدم لحرب مالية وجودية، تؤكد الجماعة من خلالها أنها جاهزة لاستخدام الرصاص حين تفشل أدوات الابتزاز الإداري. وإلى أن يُكشف الجناة فعليًا، ستواصل الأدلة السياقية توجيه إصبع الاتهام إلى الجهة الوحيدة التي رأت في حياة هذا الرجل تهديدًا استراتيجيًا لوجودها المالي، والتي أشهرت، باغتياله، أن منصب إدارة المال الدولي من عدن قد “أُلغي بالرصاص”.