اعلان كاك بنك صحيفة النقابي.

عدن تختنق.. حين تتحول الوعود إلى سراب والواقع إلى كارثة

معاذ فيزان

لم تعد الأحلام الوردية التي رُوّج لها يومًا سوى ذكرى باهتة تتلاشى أمام واقع قاسٍ يعيشه المواطن في عدن وبقية مناطق الجنوب. تلك الآمال التي عُلّقت على شماعة “التغيير نحو الأفضل” انهارت اليوم تحت وطأة الفشل، لتكشف عن مشهد كارثي متعدد الأوجه، عنوانه الأبرز: غياب الدولة وانهيار الخدمات.

في مدينة كانت تُوصف بأنها العاصمة المؤقتة، بات المواطن يواجه يومه بلا كهرباء، بلا ماء، وبلا أبسط مقومات الحياة الكريمة. صيف عدن الحارق لم يعد مجرد حالة مناخية، بل تحول إلى معاناة يومية تُختبر فيها قدرة الإنسان على الصبر. ساعات الظلام الطويلة لم تعد تُحتمل، وانقطاع المياه أصبح واقعًا مريرًا يهدد الصحة العامة، في ظل صمت رسمي يثير التساؤلات أكثر مما يقدم إجابات.

الأخطر من ذلك، هو التراجع الملحوظ في الملف الأمني. بعد أن شعر الناس لفترة بوجود حد أدنى من الاستقرار، عادت مظاهر الانفلات لتفرض نفسها، وكأن عقارب الساعة تعود إلى الوراء. انسحاب الأجهزة الأمنية من بعض المواقع وغياب الحضور الفاعل أعاد “شبح الموت” ليخيم من جديد، في مشهد يعكس خللًا عميقًا في إدارة الملف الأمني.

أما على المستوى السياسي والإعلامي، فقد انكشفت الحقيقة التي حاول البعض تغليفها بشعارات براقة. وعود التنمية، ومشاريع الإعمار، وخطابات “النهضة القادمة” لم تكن سوى أدوات للاستهلاك السياسي، هدفها كسب التأييد لا أكثر. اليوم، لم يعد المواطن يثق بتلك الروايات التي تُصاغ على منصات التواصل الاجتماعي، بينما الواقع على الأرض يقول شيئًا مختلفًا تمامًا.

أين أولئك الذين صفقوا؟ أين من ملأوا الفضاء الإعلامي بتبريراتهم وترويجهم لمشاريع لم ترَ النور؟ الصمت الذي يخيّم عليهم اليوم ليس حيادًا، بل إقرار ضمني بحجم الفشل. التاريخ لا ينسى، والشعوب لا تغفر بسهولة، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بكرامتها وحقها في العيش الكريم.

المشكلة لم تعد مجرد سوء إدارة، بل باتت أزمة قرار وإرادة. حين يكون المسؤول بلا صلاحيات حقيقية، أو أسير حسابات خارجية، فإن النتيجة الحتمية هي هذا الانهيار المتسارع. الوطن لا يُدار بالشعارات، ولا تُبنى الدول عبر الحملات الإعلامية، بل بالإرادة الصادقة والعمل الفعلي على الأرض.

عدن اليوم لا تحتاج إلى خطابات جديدة، بل إلى قرارات حاسمة تعيد الاعتبار للإنسان قبل أي شيء آخر. تحتاج إلى قيادة تتحمل مسؤوليتها كاملة، وتدرك أن استمرار هذا الوضع لم يعد خيارًا، بل خطرًا يهدد الجميع دون استثناء.

وفي النهاية، سيبقى السؤال قائمًا: إلى متى سيظل المواطن يدفع ثمن وعود لم تتحقق؟ وإلى متى سيبقى الصمت هو اللغة الوحيدة في مواجهة هذا الانهيار؟

رسالة لكل مسؤول على كرسي السلطة
التاريخ يُكتب الآن… ولن يكون رحيمًا.

زر الذهاب إلى الأعلى