# حقوقي جنوبي : تعليق على بيان السلطة المحلية في العاصمة عدن

خليل السفياني
البيان الأخير الصادر عن السلطة المحلية في العاصمة يكشف خللاً في الفهم القانوني، وارتباكاً في التقدير السياسي، وانزلاقاً غير محسوب إلى قلب صراع حساس كان يفترض بالسلطة المحلية أن تنأى بنفسها عنه.
1. أول ما يؤخذ على البيان هو الخلل في استخدام المصطلحات، وعلى رأسها وصف المجلس الانتقالي بـ”المنحل”، وهو توصيف سياسي بحت لا يستند إلى مسار قانوني واضح أو إلى إجراءات مؤسسية مكتملة. فالكيانات السياسية لا تُحل ببيانات إعلامية أو بتوصيفات لغوية، وإنما عبر أطر قانونية محددة وإجراءات رسمية معترف بها، وهو ما لم يحدث. استخدام هذا المصطلح يكشف أن من صاغ البيان أراد دفع السلطة المحلية إلى تبني رواية سياسية طرفية، وهو ما يتعارض مع طبيعتها كجهة يفترض بها أن تقف على مسافة واحدة من الجميع، لا أن تنخرط في معركة توصيفات تستفز شريحة واسعة من الشارع.
2. حديث البيان عن “إنفاذ القانون” في ما يتعلق باستعادة ما سماه ممتلكات الدولة، وهو تعبير يحمل في ظاهره وجاهة قانونية، لكنه في جوهره يكشف فراغاً قانونياً واضحاً. فالسؤال البديهي هنا: ما هو الحكم القضائي الذي جرى إنفاذه؟ وأين هي القرارات القضائية النهائية التي تثبت ملكية هذه المقرات أو تحسم النزاع بشأنها؟ السلطة المحلية جهة تنفيذية وإدارية، وليست جهة قضائية، ولا تمتلك صلاحية تقرير الملكية أو فض النزاعات القانونية. وعليه، فإن القفز مباشرة إلى إجراءات ميدانية تحت غطاء “إنفاذ القانون” دون سند قضائي واضح، لا يمكن تفسيره إلا كفرض أمر واقع بالقوة، لا كتطبيق فعلي للقانون.
3. هذا يقود إلى تجاوز خطير للمسار القانوني الطبيعي، الذي يفترض أن يبدأ بإثبات الحق عبر الجهات المختصة، ثم صدور حكم أو قرار واجب التنفيذ، ومن ثم يأتي دور الجهات التنفيذية في تطبيقه. أما ما جرى، وفق ما يفهم من البيان، فهو عكس ذلك تماماً: تحرك تنفيذي سابق على أي مسار قضائي، مع محاولة لاحقة لتغليفه بمصطلحات قانونية. وهذا ليس فقط خللاً إجرائياً، بل مؤشر على أن من صاغ البيان إما لا يدرك أبسط قواعد الدولة القانونية، أو أنه يتعمد توريط السلطة المحلية، ومحافظ عدن تحديداً، في مخالفة قانونية جسيمة قد ترتد عليه سياسياً وقانونياً.
4. من الناحية السياسية، لا يمكن فصل مضمون البيان عن توقيته، وهو توقيت سيئ ولا يحتاج إلى كثير من التحليل لفهم دلالاته. فحتى لو افترضنا جدلاً أن هناك نية حقيقية لاستعادة مقرات عامة، فإن اختيار هذا التوقيت بالذات يجعل الخطوة تبدو وكأنها جزء من مسار أوسع يستهدف المجلس الانتقالي ومحاولة اقتلاعه من الداخل بعد ما سُمّي بإعلان حله من الرياض، وهو إعلان لم يمر عبر مؤسسات المجلس نفسها، وواجه رفضاً شعبياً واضحاً، تجلى في الحشود الكبيرة التي شهدتها ساحة العروض ومدن الجنوب الأخرى خلال الفترة الماضية.
5. البيان أيضاً وقع في تناقض واضح بين مضمونه ولغته، فهو من جهة ينفي استهداف العمل السياسي أو حرية التعبير، ومن جهة أخرى يستخدم مفردات مثل “الدعوات المشبوهة” و”التحريض” و”البلبلة”، وهي لغة تحمل في طياتها اتهاماً ضمنياً لأي تحرك سياسي أو جماهيري خارج إرادة السلطة. هذا التناقض يضعف مصداقية البيان، ويؤكد أنه لا يعكس حياداً مؤسسياً، بل مقاربة أمنية لملف سياسي، وهو ما يزيد من احتمالات الاحتقان بدلاً من احتوائه.
6. من حيث الأسلوب، جاء البيان بلغة جافة ومجافية للواقع السياسي والاجتماعي في عدن، وكان يفترض بسلطة محلية تعمل في سياق توافقي أن تستخدم خطاباً مرناً يهدئ الشارع ويحتوي التباينات، لا أن تتبنى لغة حادة تضعها في مواجهة مباشرة مع شريحة واسعة من المجتمع. فالسلطة المحلية ليست طرفاً في الصراع حتى تتحدث بهذه النبرة، بل يفترض أن تكون مظلة جامعة، خصوصاً في مرحلة دقيقة.
7. ما يزيد من خطورة الموقف هو أن محافظ عدن، وهو شخصية لها تاريخ نضالي وكان من مؤسسي المجلس الانتقالي، يُدفع اليوم إلى واجهة هذا الصدام، في وقت تجنب فيه محافظون آخرون في لحج وأبين والضالع الانخراط في خطوات مماثلة، وحرصوا على عدم الظهور كأطراف في مواجهة الشارع المحلي. وهذا يطرح تساؤلاً مشروعاً: لماذا يتم الزج بمحافظ عدن تحديداً في هذا المسار؟ ومن المستفيد من وضعه في هذا الموقع الحرج؟
8. في النهاية، البيان الذي أراد أن يظهر كوثيقة دفاع عن النظام والقانون، خرج كبيان سياسي مغلف بعبارات إدارية، لا يعكس قوة الدولة بقدر ما يكشف تسييس مؤسساتها. والنصيحة الصادقة هنا لمحافظ عدن هي أن يحذر من الدائرة التي تحيط به، وألا يسمح بتوريطه في مسار تصادمي مع الشارع الجنوبي ومع رفاق دربه، لأن أي خطوة غير محسوبة في هذا الاتجاه لن تُقرأ كإجراء إداري، بل كجزء من مشروع تصفية سياسية ستكون كلفته عالية على الجميع.
#يعقوب_السفياني