من الحصار إلى التحرير: كيف كسرت المقاومة الجنوبية الغزو اليمني في عدن | 27 رمضان… اللحظة التي انطلقت فيها معركة الحسم

النقابي الجنوبي/تقرير/خاص
تحرير عدن لم يكن مجرد معركة عسكرية، بل لحظة تحوّل تاريخية أعادت صياغة موازين القوة في الجنوب ورسّخت ولادة قوة جنوبية تدافع عن أرضها.
في صيف عام 2015 كانت مدينة عدن تعيش واحدة من أكثر لحظات تاريخها قسوة.
فبعد أشهر من الحصار والمعارك العنيفة، بدت المدينة وكأنها تخوض معركة وجود حقيقية في مواجهة الغزو الحوثعفاشي – قوات الاحتلال اليمني – التي حاولت إخضاع الجنوب بالقوة.
لكن ما جرى في تلك الأشهر لم يكن مجرد مواجهة عسكرية تقليدية، بل تحوّل تدريجيًا إلى ملحمة مقاومة خاضها أبناء الجنوب دفاعًا عن مدينتهم وهويتهم السياسية.
*بداية الانفجار العسكري*
بدأت ملامح الأزمة تتشكل بوضوح بعد سيطرة مليشيات الحوثي على العاصمة اليمنية صنعاء في سبتمبر 2014، وهو الحدث الذي قلب موازين السلطة في اليمن وأدخل البلاد في مرحلة صراع مفتوح.
ومع انتقال الرئيس اليمني آنذاك عبدربه منصور هادي إلى عدن وإعلانه المدينة عاصمة مؤقتة، أصبحت المدينة هدفًا مباشرًا للقوات التي كانت تتقدم جنوبًا.
لكن بالنسبة للجنوبيين، لم يكن الصراع مجرد نزاع سياسي بين أطراف يمنية، بل كان امتدادًا لصراع أعمق مرتبط بتاريخ العلاقة المتوترة بين الجنوب والسلطة المركزية في صنعاء منذ حرب عام 1994.
*اجتياح المدينة*
في مارس 2015 تقدمت مليشيات الحوثي مدعومة بقوات موالية للرئيس اليمني السابق علي عبدالله صالح نحو المحافظات الجنوبية.
وخلال أيام قليلة وصلت تلك القوات إلى أطراف عدن، لتبدأ مرحلة المواجهة المباشرة داخل المدينة.
في تلك اللحظة تشكلت نواة المقاومة الجنوبية من مقاتلين محليين ومتطوعين من أبناء الأحياء الذين حملوا السلاح للدفاع عن مدينتهم.
*حرب الشوارع*
مع اتساع رقعة الاشتباكات تحولت عدن إلى ساحة حرب شوارع مفتوحة.
الأحياء القديمة في كريتر، والمناطق الساحلية في المعلا والتواهي، والممرات الضيقة في خور مكسر، كلها أصبحت خطوط تماس ساخنة بين المقاومة الجنوبية والقوات الغازية.
اعتمد المقاتلون الجنوبيون على تكتيكات حرب المدن، مستفيدين من معرفتهم الدقيقة بتضاريس المدينة، وهو ما مكّنهم من إبطاء تقدم القوات المهاجمة رغم تفوقها في السلاح الثقيل.
*الحصار الخانق*
مع نهاية مارس 2015 أحكمت القوات الغازية سيطرتها على الطرق البرية المؤدية إلى المدينة.
هذا التطور أدخل عدن في مرحلة حصار قاسٍ استمر عدة أشهر.
خلال تلك الفترة عانى السكان من نقص حاد في الغذاء والوقود والأدوية، بينما استمرت الاشتباكات في معظم أحياء المدينة.
*صمود يغيّر المعادلة*
رغم الظروف القاسية لم تنهر المقاومة الجنوبية.
بل على العكس، تحولت المعركة تدريجيًا إلى حرب استنزاف طويلة أرهقت القوات الغازية.
هذا الصمود لعب دورًا محوريًا في منع سقوط المدينة بالكامل، كما منح الوقت الكافي لإعادة تنظيم الصفوف والتحضير لمعركة التحرير.
*التحضير للهجوم الحاسم*
مع مرور الوقت بدأت موازين القوى تتغير تدريجيًا.
فقد جرى تدريب وحدات قتالية جديدة من أبناء الجنوب وتزويدها بأسلحة ومعدات حديثة، في إطار الاستعداد لإطلاق عملية عسكرية واسعة تهدف إلى استعادة المدينة.
وكانت تلك التحضيرات تمثل بداية الانتقال من مرحلة الدفاع إلى مرحلة الهجوم.
*فجر التحول*
في 14 يوليو 2015 الموافق 27 رمضان بدأت العملية العسكرية التي عُرفت باسم عملية السهم الذهبي.
انطلقت العملية بهجوم من عدة محاور، ترافق مع ضربات جوية استهدفت مواقع الحوثيين داخل المدينة.
ركزت المرحلة الأولى من العملية على استعادة المواقع الاستراتيجية، وعلى رأسها مطار عدن الدولي.
*الدعم الإماراتي في معركة التحرير*
ساهمت دولة الإمارات العربية المتحدة بشكل فاعل في دعم المقاومة الجنوبية خلال معركة تحرير عدن، عبر تقديم تدريبات متقدمة لوحدات مقاتلة جنوبية، وتوفير دعم لوجستي وعسكري مكّن المقاتلين من تنفيذ عمليات دقيقة واستعادة المواقع الاستراتيجية بسرعة. هذا التعاون ساهم في تعزيز القدرات القتالية للمقاومة، وجعل التحول من مرحلة الدفاع إلى الهجوم الحاسم أكثر فعالية وأقرب لتحقيق الانتصار.
*انهيار الغزو*
مع استمرار العمليات العسكرية توسع نطاق التقدم ليشمل معظم أحياء المدينة.
كما تمكنت القوات الجنوبية من استعادة ميناء عدن الذي كان يمثل شريانًا حيويًا للإمدادات.
خسارة المطار والميناء شكلت ضربة قاصمة للقوات الغازية، إذ بدأت خطوطها الدفاعية تتفكك سريعًا.
*لحظة الإعلان*
بعد أيام قليلة أُعلن رسميًا تحرير عدن بالكامل.
لم يكن ذلك الإعلان مجرد خبر عسكري، بل كان لحظة فارقة في تاريخ الجنوب الحديث.
فقد أثبتت تلك المعركة أن أبناء الجنوب قادرون على الدفاع عن أرضهم، كما أرست الأساس لظهور قوة عسكرية جنوبية منظمة.
*ما بعد التحرير*
تحرير عدن لم ينه الصراع في اليمن، لكنه غيّر مسار الأحداث بشكل كبير.
فالمدينة تحولت بعد ذلك إلى مركز سياسي وعسكري للقوات الجنوبية، ومنطلقًا لعمليات لاحقة ساهمت في تثبيت الأمن في عدد من المحافظات الجنوبية.
كما شكلت المعركة بداية مرحلة جديدة من العمل السياسي والعسكري في الجنوب، عنوانها السعي إلى استعادة الدولة الجنوبية وبناء مؤسساتها.
*خلاصة التحول التاريخي*
بعد سنوات من تلك المعركة، ما زالت ذكرى تحرير عدن حاضرة في الوعي الجنوبي باعتبارها لحظة مفصلية أعادت تشكيل المشهد السياسي والعسكري في المنطقة.
فمن بين أنقاض الحرب وُلدت تجربة جديدة من التنظيم العسكري والأمني، أصبحت اليوم العمود الفقري لحماية الجنوب واستقراره.