عبدالحكيم فاضل: نام تحت خيمة الاعتصام.. فاستيقظ صرخةً: لا تراجع!

النقابي الجنوبي/خاص
في ساحة الاعتصام المفتوح بالعاصمة عدن، بين الخيام والوجوه التي صار بعضها مألوفًا كوجوه الأهل، رحل عبدالحكيم فاضل. لم يرحل في بيته، بل رحل حيث اختار أن يكون: بين إخوته المعتصمين، تحت علم الجنوب الذي ظل يرفرف حتى في لحظة رحيله. لقد تحول رحيله من حدث فردي إلى وقْع جماعي، أشعل في النفوس إصرارًا جديدًا على مواصلة المشوار حتى العودة.
منذ السابع من ديسمبر 2025، احتشد أبناء الجنوب في العاصمة عدن لا ليشكوا من فقر أو يطلبوا منحة، بل ليُعيدوا لأنفسهم ما سُلب: قرارهم ومصيرهم. يحملون ذاكرتهم وحلم دولة الجنوب العربي كأثمن ما يملكون. وكان عبدالحكيم فاضل، الرجل الهادئ الذي نادرًا ما رُئي يخطب أو يصرخ، جزءًا عضويًا من هذا المشهد. لا يُعرف عنه الكثير خارج الساحة، لكن داخلها، كان حضوره الصامت والصلب كالجبل يضفي طمأنينة. رجل أبى أن يكون في أي مكان آخر غير حيث يُبنى الوطن.
تقول رواية الذين كانوا حوله: شعر فجأة بدوار، ثم سقط بين أذرع المحيطين به. حاول رفاقه إنقاذه، ونُقل على عجل، لكن روحه آثرت أن تفارق الجسد في المكان الذي جعلت منه قضيتها. لم يكن الموت قادرًا على كسر إرادة رجل قرر أن يكون جسده جزءًا من طريق التحرير. وفي تلك اللحظة الفاجعة، لم تخفت الهتافات، بل ارتفعت: “يا جنوبي لا تتراجع!”، و”عبدالحكيم حيّ فينا”. تحولت الجنازة من مسيرة حزن إلى موكب عهد جديد.
صلّوا عليه في قلب الساحة نفسها، حيث اعتاد أن يقف يوميًا. رجال ونساء، شيوخ وشباب، اجتمعوا حول نعشه كأنما يريدون أن تظل روحه بينهم. لم يُحمل النعش على الأكتاف فقط، بل حملت معه آلاف القصص المتشابهة عن أناس قرروا أن يدفعوا ثمن حريتهم، وقد يكون هذا الثمن هو كل ما يملكون.
يقول أحد النشطاء ممن عرفه: “رحيله من هنا ليس خسارة عدد، هو تحوّل. من رجل في الساحة إلى رمز للساحة نفسها”. لقد كان عبدالحكيم من أولئك الذين لا يبحثون عن الأضواء، لكن الأرض تحفظ خطاهم. وصفه رفاقه بـ”شهيد الموقف” لأن الموت وجده في موقع القرار والمبدأ، لا في فراش المرض أو الشيخوخة.
في هذه المرحلة الدقيقة من كفاح الجنوب، جاء رحيل عبدالحكيم ليذكر الجميع بحقيقة قاسية: التحرير لا يُوهب، بل يُنتزع. يُنتزع بالدم أحيانًا، وبالصبر دائمًا، وبالمرابطة في الساحات كل يوم. شعب الجنوب يعرف أنه لا يملك رفاهية الانتظار الطويل؛ كل يوم يمر دون إعلان دولة هو اختبار جديد لصموده. ولهذا، فإن بقاء هؤلاء المعتصمين تحت الخيام، في برد الليل وحر النهار، وهم يوجهون صبرهم هذا مطالبين رئيسهم الزُبيدي بالانتقال من مرحلة التحرير إلى مرحلة الإعلان، هو فعل كرامة في أبسط تجلياته وأكثرها قوة.
عبدالحكيم فاضل لم يكن قائدًا بارزًا أو وجهًا إعلاميًا، لكنه كان قطعًا من لحم هذا الشعب ودمه. كان نموذجًا للرجل العادي الذي يرفض أن يكون مجرد رقم في إحصائية أو هامشًا في تاريخ يكتبه الغير. لقد عانى الجنوب طويلاً من أن يكون طرفًا ثانويًا في معادلات الآخرين، وهو اليوم يصرّ على أن يكون صانعًا لقراره وكاتبًا لتاريخه.
والآن، بينما يُوارى جسده الثرى، يجد أبناء الجنوب أنفسهم أمام قسم غير مكتوب: لن نتراجع. لن نغادر هذه الساحات حتى يُعلن عن دولتنا، حتى تتحول هذه الخيام إلى مؤسسات، وحتى يعود هذا الوطن الذي نعتصم من أجله. مات عبدالحكيم بين ذراعي أمّة مصممة على الحياة، ولهذا لم تكن دموع الساحة دموع فراق بقدر ما كانت دموع عهد: “سنكمل، حتى آخر نفس”.
خلاصة المشهد، رحيل عبدالحكيم فاضل لم يغلق صفحة، بل فتح بابًا في الروح الجماعية للجنوب. في كل خيمة تظل منصوبة، وفي كل ذكرى تُروى عنه، يُولد الوطن من رحم التضحيات اليومية. والجنوب، الذي تعلم أن حرّيته لن تهدى إليه، يصنع طريقه نحو دولته، خطوة خطوة، ولو كلّفت بعض أبنائه أن يدفعوا أثمن ما لديهم.