اعلان كاك بنك صحيفة النقابي.

اقتصاد السلاح والانقسام السياسي.. كيف تحوّلت حركة “الشباب” إلى دولة في الظل؟

 

تقرير خاص يرصد كيف حوّلت حركة الشباب الاقتصاد إلى سلاح يقوّض بقاء الدولة الصومالية

النقابي الجنوبي/ خاص

ماذا لو كانت الجهة التي تجمع ضرائبك، تحمي طرق تجارتك، وتدفع رواتب مقاتليها بانتظام ليست دولتك، بل جماعة مصنّفة إرهابيًا؟

في الصومال، هذا ليس سيناريو خياليًا، بل واقع يومي. فبينما تتصارع النخبة على المناصب في مقديشو، تبني حركة “الشباب” في صمت منظم دولة في الظل، لا تعتمد على الغرب، بل على اقتصاد موازٍ يدرّ مئات الملايين، ويمنحها سلطة فعلية لا تملكها الدولة الرسمية.

تقرير:

هشام صويلح

الانقسام الداخلي: باب مفتوح لتمدد الحركة

لم يكن صعود حركة  “الشباب” وليد القوة العسكرية وحدها، بل ثمرة طبيعية للانقسام العميق بين الحكومة الفيدرالية في مقديشو والولايات الإقليمية. هذا التفكك أنتج فراغًا أمنيًا واسعًا، استغلته الحركة لاستعادة بلدات استراتيجية على مرمى حجر من العاصمة، مثل ماكساس، الواقعة على بعد 40 كيلومترًا فقط من مقديشو — تطوّر وصفته صحيفة الجارديان بـ”المأزق الاستراتيجي”.

المواطنون، الذين عاشوا عقودًا من عدم الاستقرار، باتوا يعيشون في خوف دائم. آلاف العائلات نزحت من مناطقها، بينما يعاني الجيش من انهيار المعنويات. جنود ميدانيون يعترفون أنهم “يقاتلون بلا أفق”، في مقابل مقاتلي “الشباب” الذين يُحركهم “عقيدة راسخة تجعلهم مستعدين للتضحية دون تردّد”.

التدخلات الإقليمية: تفتيت الدولة تحت غطاء المصالح

الانقسام الداخلي لم يكن وليد الصدفة، بل نتاج تدخلات إقليمية استغلت هشاشة الدولة لتحقيق مصالحها الخاصة. إثيوبيا، خشية من أي نهضة قومية صومالية، دعمت تقسيم البلاد ووقّعت اتفاقيات مع “أرض الصومال” تعترف باستقلالها فعليًا. وفي الجنوب، دعمت كينيا إقليم “جوبالاند” كمنطقة عازلة لحماية حدودها، بينما استغلت جيبوتي ضعف الدولة لتعزيز مصالحها الاقتصادية عبر الموانئ والاستثمارات.

هذه السياسات حوّلت الصومال إلى ساحة تنافس إقليمي، بدل أن تكون دولة ذات سيادة. والنتيجة؟ كيانات شبه مستقلة، وفراغ يملؤه من يستطيع — وهو بالضبط ما فعلته حركة “الشباب”.

اقتصاد “الشباب”: دولة داخل الدولة

ربما يكون العامل الأهم في بقاء حركة “الشباب” واستمراريتها هو قدرتها على بناء اقتصاد موازٍ منظم وفعال. وفق تقرير مركز مكافحة الإرهاب في ويست بوينت، تحقق الحركة إيرادات سنوية تصل إلى 200 مليون دولار، من خلال شبكة معقدة من الضرائب والإتاوات التي تُفرض على التجار، والمزارعين، وشركات النقل، وحتى على مزارع الفحم والماشية.

المفارقة أن هذا النظام المالي أصبح أكثر كفاءة وموثوقية من النظام الحكومي الرسمي، ما دفع العديد من المواطنين إلى تفضيل التعامل معه — حتى لو كان قسريًا — على دفع رسوم غامضة لدولة لا تقدّم لهم الحماية ولا الخدمات.

ولا يقتصر اقتصاد “الشباب” على الداخل الصومالي، فهو يمتد عبر الحدود عبر شبكات تهريب دولية وغسل أموال، ما يضمن استمرارية التمويل. وبفضل هذه الموارد، تدفع الحركة رواتب ثابتة لنحو 18 ألف مقاتل، وتشتري الأسلحة، وتنفّذ عمليات عسكرية واسعة، بل وتحوّلت مدن مثل “عدن يابال” إلى مراكز لوجستية تربط مناطق نفوذها بسلاسل إمداد فعّالة.

المأزق الاستراتيجي: لماذا تفشل الغارات الجوية في هزيمة الحركة؟

رغم تنفيذ الولايات المتحدة لأكثر من 70 غارة جوية ضد “الشباب” في عام واحد، فشلت الحكومة الصومالية في تثبيت سيطرتها على المناطق المستعادة. السبب؟ هشاشة البنية التحتية، وضعف التنسيق بين القوات، وانعدام القدرة على تقديم الخدمات الأساسية.

الحقيقة أن المعركة اليوم ليست فقط على الأرض، بل على الموارد والولاء. فبينما تكافح الدولة لدفع رواتب جنودها، تُدير “الشباب” اقتصادًا موازيًا يمنحها المرونة لشراء السلاح، وتحريك المقاتلين، وفرض سلطة فعلية على مناطق شاسعة. في هذا السياق، تصبح الحركة أقرب إلى “دولة غير معترف بها” منها إلى جماعة متمردة.

الصومال عند مفترق طرق

اليوم، يقف الصومال أمام خيارين: إما أن تنجح قيادته في تجاوز الانقسامات الداخلية، وبناء مؤسسات مركزية قادرة على تقديم الأمن والخدمات، وتفكيك الاقتصاد الموازي لـ”الشباب”؛ أو أن تستمر في الانزلاق نحو واقع جديد، حيث تتقاسم السيادة كيانات متعددة — بعضها رسمي، وبعضها مسلّح — وكلٌّ يتحرك وفق مصالحه الخاصة.

التدخلات الإقليمية، والانقسام السياسي، وضعف الدولة، كلها عوامل ساعدت “الشباب” على التحوّل من ميليشيا محلية إلى قوة منظمة تمتلك الأرض، والمال، والسلاح. وإذا استمر الوضع على ما هو عليه، فقد لا يكون السؤال بعد الآن: “هل ستسقط مقديشو؟”، بل: “من سيحكم الصومال فعليًا؟”.

خاتمة: إعادة بناء الدولة أم تكريس الفوضى؟

الحل لا يكمن في الغارات الجوية وحدها، ولا في الدعم العسكري الخارجي دون خطة سياسية شاملة. فالصومال بحاجة إلى:

مصالحة وطنية حقيقية تُنهي الخلافات بين الحكومة الفيدرالية والأقاليم

إعادة بناء مؤسسات الدولة، خصوصًا في مجالات الأمن والمالية

تفكيك الاقتصاد الموازي لـ”الشباب” عبر تقديم بدائل اقتصادية آمنة للمواطنين

ضغط دولي واقعي على القوى الإقليمية لوقف دعم الانقسامات

ففي النهاية، لا يمكن لهزيمة “دولة مسلحة” إلا بدولة قوية — دولة تُعيد تعريف السيادة ليس بالسلاح فقط، بل بالعدالة، والخدمات، والولاء الطوعي لمواطنيها.

الصومال اليوم، أكثر من أي وقت مضى، بحاجة إلى قيادة قادرة على دمج الأرض والسيادة والمال في منظومة واحدة، قبل أن تتحول الدولة إلى مجرد مجموعة من الكيانات الموازية، كل منها يتحرك وفق مصالحه الخاصة.

زر الذهاب إلى الأعلى