بين هراء التطبيع وضرب الحلفاء: تناقض بن سلمان من حضرموت إلى إسرائيل

وئام نبيل علي صالح
في لحظة سياسية مزدحمة بالتناقضات، تبدو مواقف القيادة السعودية، وتحديداً وزير الدفاع السعودي <خالد بن سلمان>، وكأنها تتحرك في مسارين متعاكسين: خطاب خارجي يرفض “معادلة إسرائيل” ويصفها بـ«الهراء… الهراء… الهراء»، وخطاب عملي على الأرض الإقليمية يتجلى في استهداف قوى جنوبية حليفة في حضرموت، تحت ذريعة “تهديد الأمن القومي السعودي”. وبين الخطابين، يضيع المنطق السياسي وتتكشف ازدواجية المعايير.
الجنوب الحليف الذي صار تهديداً
والضربات التي استهدفت القوات الجنوبية في حضرموت لم تكن مجرد إجراء أمني عابر، بل رسالة سياسية ثقيلة المعنى. هذه القوات التي قاتلت الإرهاب، وضبطت الأمن، وكانت شريكاً ميدانياً في معركة الاستقرار، جرى تصويرها فجأة كخطر داهم على الأمن القومي السعودي. السؤال البديهي هُنا: متى تحول الحليف إلى تهديد؟ وهل يُقاس الأمن القومي بالاصطفاف السياسي أم بالفعل العسكري؟
تبرير الضربات بحجة “السيادة” أو “منع الفوضى” لا يصمد أمام حقيقة أن حضرموت كانت – ولا تزال – أكثر المناطق استقراراً بفضل هذه القوات. ما حدث لا يعكس خوفاً من الفوضى بقدر ما يعكس خشية من تشكّل قوة جنوبية مستقلة القرار، قائمة على حسن الجوار، بل ان الجنوبيين كانوا يجلون ويبرون المملكة العربية السعودية حتى ان الرئيس القائد (عيدروس الزُبيدي) قال في حوار له نحن جنود خادم الحرمين الشريفين سلمان يضرب بنا أرض بحر جو ولن نتردد.. هذا يؤكد بأن الجنوبيين كانت نواياهم صادقة مع حليفهم السعودي الذي غدر بهم.
هراء إسرائيل… أم هراء الخطاب؟
في مقابل ذلك، يخرج خالد بن سلمان من قمقمه لينفي وجود أي معادلة تضع إسرائيل في كفة، ويصف الحديث عنها بالهراء بالهراء بالهراء ثلاثاً حينما أشتد عليه الخناق من قبل المنظمات اليهودية في إسرائيل وبعد ادانته حين برزت الأدلة والاثباتات التي أكدت تحدثه ووسائل اعلامه بأن القوات الجنوبية شكلت خطراً على الأمن القومي السعودي لاسيما وانها مدعومة من إسرائيل.. نظرياً، يبدو التصريح منسجماً مع المزاج العربي الغاضب من جرائم الاحتلال. لكن عملياً، يتآكل هذا الخطاب.
التناقض هُنا ليس في الكلمات، بل في الأفعال: كيف يُرفض منطق “إسرائيل أولاً” في التصريحات، بينما تُدار الملفات العربية – من اليمن إلى الجنوب – بمنطق أمني صِرف، لا يرى في القوى المحلية سوى أدوات أو مخاطر محتملة؟
الأمن القومي.. تعريف انتقائي
الأمن القومي السعودي، كما يُستخدم في خطاب حضرموت، يبدو مفهوماً انتقائياً. لا يُستحضر عندما تُنتهك الحقوق الفلسطينية يومياً، ولا عندما تتوسع إسرائيل عسكرياً وسياسياً، لكنه يُستدعى بقوة عندما يتعلق الأمر بقوة جنوبية عربية تطالب بحقوقها السياسية وتفرض وجودها على الأرض.
هذا الاستخدام الانتقائي يُضعف مصداقية أي خطاب مبدئي، سواء كان ضد إسرائيل أو مع “الاستقرار”. فالأمن لا يُبنى بقصف الحلفاء، ولا بإعادة إنتاج الوصاية، بل بالشراكة والاحترام المتبادل للمصالح والخصوصيات.
ما بين ضرب القوات الجنوبية في حضرموت، ونفي “معادلة إسرائيل” بوصفها هراء، تتجلى أزمة أعمق في السياسة السعودية المعاصرة: أزمة انسجام بين القول والفعل. فالشعوب لا تحاكم التصريحات، بل السياسات. والتاريخ لا يتوقف عند الكلمات الرنانة، بل يسجل من قُصف، ومن حُوصِر، ومن تُرك وحيداً في الميدان.
إن كان الحديث عن إسرائيل هراءً حقاً بحسب قول خالد بن سلمان، فإن هراءً أكبر منه هو ادعاء حماية الأمن القومي عبر استهداف قوى عربية كانت – وما زالت – في خندق المواجهة مع الفوضى والإرهاب، لا في خندق التهديد.