الإماراتيون في مهمة ملاحقة الفلول “الإخوانية”

 

هاني سالم مسهور

عُرفت به الإمارات بأنها رأس حربة في مواجهة حركات الإسلام السياسي، فإنها تعيد التأكيد على أولوياتها الأمنية في ملاحقتها لفلول جماعة «الإخوان المسلمين» في داخلها عبر ما أعلنته في إحالتها لعشرات المتهمين لمحكمة أمن الدولة، هذا التأكيد يعزز من قضية أساسية انتهجتها الإمارات بأن التنمية والاستقرار الوطني يبدأ من تطهير الوطن من الفكر الضال، لا أمن وتنمية واستقرار بغير حماية المكتسبات بل وحتى المستقبل من أصحاب الفكر الإسلاموي.

وصحيح أن الجهد الإماراتي الممتد في الثلاثة عقود الماضية أثمر عن انحسار دور جماعة «الإخوان» لدرجة ضربها في أقوى معاقلها لدرجة اهتزاز مركز التنظيم الدولي، غير أنها مازالت تؤكد نهجها في صيانة الدول الوطنية وتضعها ضمن أعلى اهتماماتها لعدم ترك فراغات يتسلل منها الفلول.

«الدولة داخل الدولة» هو ما تمثله بيعة أفراد الجماعة للمرشد، وهذا يشكل خطراً وجودياً على الدولة الوطنية، إنه أمر استوعبته القيادة الإماراتية وتعاملت معه بحزم وصرامة وكشفته بالوثائق والأدلة القطعية. كان كاشفاً لخطر ما شكله التنظيم السريّ في الداخل الإماراتي وعليه اتخذت إجراءات قانونية صارمة مَنحت للداخل أماناً، ودفعت بالبلاد خطوات في صعودها الاقتصادي، انعكس على حياة الإماراتيين والمقيمين فيها.

«الإخوان المسلمون» جماعة متطرفة، ومعظم التنظيمات الإرهابية خرجت من رحمها، وإلغائهم الكامل من الخارطة الإسلامية مطلب إنساني قبل أن يكون فكرة سياسية.

تكبدّ العالم العربي خسائر فادحة من تمدد فكر «الإخوان» خلال مرحلة ما يطلق عليها بـ «الصحوة الإسلامية»، فلقد أغرقت المجتمعات العربية بأفكار متشددة دفعت ثمنها بالزج بأبنائها في حروب متعددة.. ذهبوا فيها ضحية أجندات منحرفة، إضافة إلى ذلك فلقد تكبدت المجتمعات تأخراً في التنمية الاقتصادية لاحتكار الجماعة لمفاهيم العلوم مما عمل على تجميد المجتمعات العربية وتعطيلها. و الخسائر الاقتصادية الضخمة لا تضاهيّ التشويه الديني في العالم. هجمات الإرهابيين صنعت فجوة زادت من عزلة المجتمعات العربية مما عمق من الصراعات، وهذا أحد مسببات موجة «الربيع العربي». فالمجتمعات التي كانت تعيش بلا أفق تنموي تصادمت في داخلها مما أدى لانهيارات في دول عربية متعددة.

تحملت الإمارات إسناد الدول الوطنية العربية، وهو ما سيُخلده لها التاريخ القومي العربي عبر الأجيال المتوالية. وضمن هذا الإطار، يأتي دعم ثورة 30 يونيو 2013 المصرية، التي شكلت في واقعها المواجهة الأكبر في تحدي التنظيم الدولي.

الإمارات تصدرت مشهد المواجهة مع هذه الجماعة والحركات «الإسلاموية» المشابهة لها. والصلابة في الحرب المفتوحة ألهمت الدول كما ألهم شعب الإمارات الشعوب في التزامه بمنهج الدولة، وتبني القضية الصارمة بالانحياز للكيان الوطني، واتسع هذا الالتزام وتحوّل إلى هدف مجتمعي يمكّن التماسه في الأنشطة المجتمعية لأفراد الدولة، وهم يدخلون في المواجهات الفكرية على كافة المنصات الإعلامية في كشف أقنعة زيف الجماعات الدينية. تُعد تجربة الإمارات في مواجهة جماعة «الإخوان المسلمين» تجربة فريدة من نوعها.

وقد أثبتت هذه التجربة أنّ مواجهة «الإسلام السياسي» لا تتطلب العنف أو القمع، بل يمكن تحقيقها من خلال الحوار والتفاوض، وتعزيز قيم التسامح والانفتاح. درس الإمارات في كيفية تحقيق التوازن بين الدين والتقدم في بناء مستقبل مستدام، قدم أنموذجاً فريداً. فالتصالح بين المبادئ الدينية ومتطلبات التنمية يشكل تحدياً مستمراً، وهذا ما يعيدنا إلى الإجابة على التساؤل في أنه لماذا الإمارات تطارد فلول «الإخوان»؟ المطلب الإنساني يقتضي هذه المواجهة لأن دولة الإمارات حريصة على أن تظل محصنّة، وتريد أن تُبقيّ مجتمعها المحليّ متعايشاً مع الثقافات بشعوبها المختلفة ضمن عقيدة تضمن الانتماء للوطن.