المجلس الانتقالي الجنوبي بين ثبات المبادئ وضرورة المراجعة والإصلاح الشامل

د. محمود شائف
سنظل كما كنا، أحرارًا في مواقفنا، صادقين في قناعاتنا، نظيفي اليد، عفيفي اللسان، أوفياء لمبادئنا الوطنية، مؤمنين بعدالة قضية شعبنا الجنوبي العظيم، وبحقه المشروع في تقرير مصيره واستعادة دولته، وتحديد مستقبله واختيار مشروعه السياسي بإرادته الحرة، وفاءً لتضحيات شهدائنا وجرحانا، وانتصارًا لتطلعاته في الحرية والكرامة والسيادة الوطنية.
إن إيماننا بالقضية الجنوبية ليس ارتباطًا بأشخاص أو تنظيمات، ولا رهينًا بمواقع السلطة وتقلبات السياسة، بل التزام وطني وأخلاقي ثابت، يستمد مشروعيته من إرادة الشعب وحقه في أن يكون صاحب القرار في تقرير مستقبله.
نؤمن بأن الجنوب وطن لجميع أبنائه، وليس حكرًا على نخبة سياسية أو جماعة جهويه او مناطقيه، أو دائرة من المقربين، وأن قوة المشروع الوطني الجنوبي تكمن في اتساع قاعدته الشعبية، وتماسك جبهته الداخلية، واحترام تعدديته السياسية والاجتماعية، وترسيخ الشراكة الوطنية بعيدًا عن الإقصاء والاحتكار والمحاباه والمصالح الضيقة.
ومن هذا المنطلق، فإن المرحلة الراهنة تضع المجلس الانتقالي الجنوبي أمام مسؤولية تاريخية تستوجب بالضرورة إجراء مراجعة سياسية وتنظيمية ومؤسسية وتقييم شامل لادائه وتجربته خلال المرحلة السابقة، للبيانات مواطن الخلل وجوانب القصور، وتقييم أداء هيئاته ومؤسساته، ومراجعة سياساته وأساليب عمله وآليات اتخاذ القرار فيه، بشجاعة ومسؤولية وشفافية، بعيدًا عن المجاملات والاعتبارات الشخصية وحسابات الولاء.
إن التغيير وإعادة الهيكلة السياسية والتنظيمية والإدارية لم يعودا مجرد خيارين قابلين للتأجيل، بل أصبحا ضرورة وطنية تفرضها طبيعة المرحلة وتعقيداتها. وينبغي أن يستندا إلى رؤية إصلاحية واضحة، تعيد الاعتبار للعمل المؤسسي، وتعزز الكفاءة والمساءلة، وتوسع قاعدة المشاركة الوطنية، وتفتح المجال أمام الكفاءات والطاقات الجنوبية، بما يعزز وحدة الصف الجنوبي ويعيد بناء الثقة بين القيادة والقاعدة الشعبية.
ومن المهم التأكيد ان المراجعة ليست تراجعًا عن القضية، والإصلاح ليس انتقاصًا من دور المجلس الانتقالي، بل شرط لتجديد فاعليته السياسية والوطنية، وتصحيح مساره، وتعزيز قدرته على تمثيل تطلعات شعب الجنوب والدفاع عن حقوقه.
ان اهم ما تواجهه وأخطر ما يمكن أن تواجهه القضية الجنوبية في هذه المرحلة ليس تعدد التحديات الخارجية وحدها، بل غياب الرؤية السياسية الجامعة، وضعف التخطيط الاستراتيجي، والافتقار إلى برنامج عمل وطني واضح ومدروس لإدارة المرحلة الراهنة على مستوى الداخل الجنوبي، سياسيًا ومؤسسيًا واقتصاديًا وأمنيًا ومجتمعيًا.
إن الاستمرار دون رؤية سياسية محددة، وأولويات وطنية واضحة، وبرنامج عمل قابل للتنفيذ، وآليات مؤسسية للمساءلة والتقييم، ينذر بتآكل المكتسبات، واتساع الانقسامات، وإضعاف قدرة الجنوب على مواجهة التحديات المصيرية والمخاطر المحدقة به.
وخلاصة القول: إن الوفاء الحقيقي لإرادة شعبنا ودماء شهدائنا وتضحيات جرحانا لا يتحقق بالشعارات أو التمسك بالمواقع، بل بامتلاك مشروع وطني جامع، وقيادة مؤسسية مسؤولة، ورؤية سياسية استراتيجية، وبرنامج عمل واقعي ومدروس لإدارة المرحلة وحماية المكتسبات وتوحيد الجبهة الداخلية.
فغياب هذه المقومات لا يعني مجرد تعثر سياسي عابر، بل قد يفتح الباب أمام مخاطر تمس جوهر القضية الجنوبية، وتهدد الجنوب أرضًا وإنسانًا وهويةً وحاضرًا ومستقبلًا.
إن المرحلة لم تعد تحتمل إدارة السياسة بردود الأفعال، ولا مواجهة الأخطار بالارتجال، ولا تأجيل الإصلاح تحت أي مبرر؛ فالمسؤولية التاريخية اليوم تقتضي الانتقال من إدارة الأزمات إلى امتلاك رؤية وطنية قادرة على صناعة المستقبل، قبل أن تتحول الفرص الضائعة إلى خسائر يصعب تداركها.