اعلان كاك بنك صحيفة النقابي.

هل أصبح «فك الارتباط» المدخل الوحيد لبناء حسن الجوار واستعادة السلام؟

لم تعد الوحدة التي رُفعت ذات يوم كشعار للأخوة والتلاحم في نظر قطاعات واسعة من أبناء الجنوب مجرد مشروع سياسي أخفق في تحقيق أهدافه، بل تحولت إلى تجربة مثقلة بالجراح والصراعات. لقد تركت تلك التجربة آثاراً عميقة في حياة الشعبين، وامتدت تداعياتها إلى الأجيال المتعاقبة، حتى باتت مشاعر الغضب والاحتقان من أبرز ملامح المشهد السياسي والاجتماعي.
تراكمات حرب 94 والشرخ الممتد
بعد سنوات طويلة من التجارب المريرة، لم يعد الحديث عن الوحدة مرتبطاً بما رُفع من شعارات حول الشراكة والمساواة، بقدر ما أصبح اقترانه وثيقاً بما عاشه الناس من حروب وانتهاكات وتهميش، وتراجع حاد في مستويات الثقة. لقد تحولت الآمال إلى واقع يراه كثيرون بعيداً عن الوعود التأسيسية، خصوصاً في ظل تداعيات حرب عام 1994 السياسية والاجتماعية التي لا تزال حاضرة في الذاكرة الجنوبية.
إن أخطر ما أنتجته هذه التجربة ليس فقط الانقسام السياسي، وإنما الشرخ العميق في العلاقات بين أبناء الشعبين؛ حيث أصبحت الذاكرة الجماعية محمّلة بأحداث مؤلمة ومشاعر مظلومية وخذلان، في وقت ظلت فيه المعالجات السياسية عاجزة عن بناء جسور الثقة أو تقديم حلول تنهي أسباب الصراع من جذوره.

مظلومية الجنوب وتصاعد مطالبات الاستقلال
مع استمرار الأزمات، تراجعت فرص التعايش تحت صيغة سياسية واحدة، وأصبحت الدعوات إلى استعادة الدولة الجنوبية بالنسبة إلى قطاعات واسعة تعبيراً عن رغبة جادة في إنهاء واقع يُعد سبباً رئيسياً في استمرار الصراع. ويُنظر إلى هذا الخيار بوصفه سبيلاً لاستعادة القرار الوطني وبناء دولة تقوم على إرادة شعبها، بعيداً عن الصيغ التي أثبتت عجزها عن تحقيق الشراكة والعدالة.

ولم يعد من الممكن تجاهل حقيقة أن أي مشروع سياسي لا يقوم على الرضا المتبادل واحترام الإرادة الشعبية يصبح عرضة للانهيار. فالوحدة التي تُفرض بالقوة أو تُدار بمنطق الغلبة لا تستطيع إنتاج استقرار حقيقي، بل تتحول إلى مصدر دائم للتوتر والعداء وتوريث الصراعات.
فك الارتباط.. مدخل لبناء السلام وحسن الجوار
في ظل هذه المعطيات، يرى أنصار إنهاء الوحدة أن فك الارتباط واستعادة الدولة الجنوبية يمثلان المدخل الضروري لإغلاق صفحة الصراع، وفتح المجال أمام علاقات جديدة تقوم على الاعتراف المتبادل واحترام السيادة وحسن الجوار، بدلاً من استمرار تجارب سياسية أضعفت فرص التقارب.

غير أن إنهاء الوحدة — بحسب التقرير — لا ينبغي أن يتحول إلى مشروع لإدامة الكراهية، بل إلى فرصة لإنهاء أسبابها وبناء مستقبل أكثر استقراراً. فالشعوب التي عانت من الحروب تحتاج إلى سلام حقيقي يقوم على الاعتراف بالحقوق، ومعالجة المظالم، وحماية الأجيال القادمة من دوامة الصراع.

المراجعة الشجاعة وحتمية القرار
لم تعد القضية اليوم مجرد خلاف على أسماء أو حدود، بل أصبحت سؤالاً جوهرياً حول طبيعة العلاقة التي يمكن أن تجمع الطرفين بعد سنوات الألم. ويتساءل الشارع: هل يمكن إعادة بناء الثقة في ظل استمرار صيغة سياسية يحمّلها الكثيرون مسؤولية الأزمات؟ أم أن فتح صفحة جديدة على أساس دولتين مستقلتين وعلاقات قائمة على الندّية أضحى الطريق الأكثر واقعية لاستعادة الوئام؟

إن السلام الحقيقي لا يُصنع بالشعارات بل بإرادة الشعوب واحترام حقوقها. وإذا كانت تجربة الوحدة قد أخفقت في تحقيق الاستقرار، فإن المرحلة تتطلب مراجعة شجاعة تُقر بأسباب الفشل، وتبحث عن صيغة تنهي الصراع وتحفظ كرامة الشعبين وحقهما في العيش بأمن وسلام.

زر الذهاب إلى الأعلى