رويترز تكشف شبكة إيرانية من 5 آلاف كيان.. مليارات الدولارات لشراء العتاد وتجاوز العقوبات

النقابي الجنوبي/ رصد ومتابعة
كشف تحقيق استقصائي لوكالة رويترز عن شبكة مشتريات عسكرية إيرانية تضم أكثر من 5 آلاف كيان مرتبط بوزارة الدفاع، استوردت معدات عسكرية ومواد ذات استخدام مزدوج بقيمة لا تقل عن ملياري دولار منذ يناير 2025، عبر وسطاء وشركات واجهة ومسارات شحن دولية أتاحت لطهران مواصلة شراء احتياجات برامج الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة، رغم العقوبات الغربية والحصار البحري الأمريكي.
وبحسب التحقيق المنشور الخميس 29 أكتوبر 2026، أنشأت إيران منظومة موازية للتجارة الخارجية، تعتمد على كيانات تحمل أرقامًا تعريفية حكومية، ووسطاء مقيمين في الخارج، وأموال ناتجة عن مبيعات النفط، لشراء المعدات لصالح جهات عسكرية إيرانية. وتكشف السجلات التي راجعتها رويترز كيف استمرت هذه العمليات عبر قنوات يصعب تتبعها بالاعتماد على التحويلات المالية الدولية التقليدية.
وتشترك الكيانات التي تبدأ تسمياتها بالاختصار الفارسي لوزارة الدفاع في عنوان واحد بطهران، كما تسجل تاريخ تأسيس موحدًا يعود إلى 11 فبراير 1979، وهو تاريخ وصول آية الله الخميني إلى السلطة بعد الإطاحة بالنظام الملكي. لكن الوثائق التي راجعتها الوكالة تشير إلى أن معظم هذه الكيانات أُنشئ فعليًا عام 2013، مع اشتداد الضغوط الاقتصادية والعقوبات التي أدت إلى تراجع صادرات النفط الإيراني وانخفاض قيمة العملة المحلية.
واعتمد التحقيق على آلاف السجلات المصرفية والحكومية ووثائق تسجيل الشركات وبيانات الاستيراد، بالتعاون مع شركة متخصصة في تحليل المخاطر. وتتبع معدّو التحقيق أرقام التعريف الحكومية التي ظهرت بصورة متكررة في الفواتير وبوالص الشحن والحسابات المصرفية، ما أتاح ربط عمليات شراء وشحنات بكيانات وزارة الدفاع حتى عندما نُفذت عبر شركات وسيطة في الخارج.
تحويلات مالية لا تعبر الحدود
أظهرت مراجعة رويترز عينة من نحو 19 ألف سجل استيراد، جرت مقارنتها بوثائق الشحن ومقاطع مصورة وتقارير إعلامية رسمية، أن تسوية معاملات 97% من الشحنات التي شملتها المراجعة تمت من دون تحويل أموال عبر الحدود.
ووفق التحقيق، تولى وسطاء إيرانيون مقيمون في الخارج شراء البضائع باستخدام أموال مودعة في بنوك أجنبية، ثم ترتيب شحنها إلى إيران. وتتيح هذه الآلية فصل عملية الدفع عن الجهة العسكرية المستفيدة، وتقلل الاعتماد على التحويلات الدولية المباشرة التي قد تستدعي تدقيقًا مصرفيًا أو تكشف هوية المشتري النهائي.
وتستخدم الشبكة شركات واجهة ووسطاء يصفهم التحقيق بأنهم أشخاص موثوقون يتولون تنفيذ عمليات الشراء نيابة عن الجهات الإيرانية. كما تعتمد على عائدات مبيعات النفط التي وصفها التحقيق بأنها غير مشروعة، لتمويل مشتريات المعدات والمواد اللازمة للأنشطة العسكرية.
ورغم خضوع الجيش الإيراني لعقوبات أمريكية منذ عقود، لم تجد رويترز دليلًا على أن الكيانات ذات الأرقام التعريفية التي تناولها التحقيق مدرجة هي نفسها على قوائم العقوبات الغربية. ويكشف ذلك فجوة بين استهداف المؤسسات العسكرية بالعقوبات وبين قدرة الجهات المرتبطة بها على إجراء مشتريات من خلال كيانات ووسطاء لا تظهر أسماؤهم بالضرورة على تلك القوائم.
كيان واحد استورد بضائع بقيمة 2.3 مليار دولار
برز الكيان الذي يحمل الرمز ”ودجا 346428“ بوصفه أحد أبرز المستوردين في الشبكة. ووفق بيانات منصة ”إمبورت جينيوس“ التي راجعتها رويترز، استورد هذا الكيان بضائع بقيمة 2.3 مليار دولار بين يناير 2025 ويونيو 2026، وهي فترة امتدت إلى الأشهر الأربعة الأولى من الحرب التي بدأت في فبراير 2026.
وتشمل مشترياته مواد كيميائية تدخل في تصنيع وقود الصواريخ، ومتفجرات وصواعق تفجير ومكونات أسلحة وأجزاء لمحركات الطائرات، إلى جانب معدات صناعية دقيقة وشاحنات ثقيلة يمكن تكييفها لأغراض عسكرية.
وتظهر البيانات الجمركية الإيرانية أن قيمة المشتريات الخارجية للكيان ارتفعت من 442 مليون دولار خلال الاثني عشر شهرًا المنتهية في مارس 2023 إلى نحو 988 مليون دولار خلال الاثني عشر شهرًا التالية، ما وضعه ضمن أكبر عشرة مستوردين في إيران، بحسب التحقيق.
ويختلف هذا الرقم عن القيمة الإجمالية التي أوردها التحقيق للشبكة الأوسع. فمليارا دولار على الأقل هي قيمة واردات الشبكة منذ يناير 2025، بينما تمثل 2.3 مليار دولار واردات الكيان المحدد خلال الفترة الممتدة إلى يونيو 2026. ولا ينبغي جمع الرقمين باعتبارهما قيمتين منفصلتين، إذ قد تدخل مشتريات الكيان ضمن إجمالي الشبكة.
مواد لوقود الصواريخ وشاحنات قابلة للتعديل العسكري
من بين الشحنات التي تتبعها التحقيق، استيراد الكيان ”ودجا 346428“ نحو 886 طنًا من المواد الكيميائية إلى مجمع ميناء بندر عباس بين يناير وأبريل 2025. وسُجل منشأ هذه المواد في الصين، وشملت فئة جمركية تضم كلورات الصوديوم ومركبات البيركلورات، وهي مواد أولية تدخل في إنتاج وقود الصواريخ الصلب.
وبعد ثلاثة أيام من الشحنة الأخيرة، وقع انفجار كبير في الميناء في 26 أبريل 2025. ونقلت رويترز عن شخصين لديهما معرفة بالحادث أن الانفجار نتج عن اشتعال بيركلورات الصوديوم داخل حاويات شحن في الميناء. ولم يثبت التحقيق بصورة مستقلة أن المواد التي استوردها الكيان المذكور كانت سبب الانفجار.
كما رصدت بيانات الاستيراد شحنات من الشاحنات الثقيلة التي يستخدمها الجيش الإيراني في بعض الحالات منصات متحركة ومموهة لإطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة.
وفي إحدى العمليات التي تتبعها التحقيق، اشترى تاجر سيارات إيراني مقيم في إيطاليا ست شاحنات من طراز ”إيفيكو يوروكارجو“ في خريف 2022، بقيمة 426 ألف يورو، ثم شحنها إلى شركة ”ديالمي تريدينغ“ في دبي، التي نقلتها إلى بندر عباس. وأظهرت مستندات التعبئة أن المشتري النهائي كان الكيان ”ودجا 346428“، وأن الشاحنات سُلّمت في نهاية المطاف إلى شركة ”صحرا ثندر“.
وفرضت الولايات المتحدة عقوبات على صحرا ثندر عام 2024 بسبب تصنيع وتوريد طائرات مسيّرة إلى روسيا استخدمت في الحرب على أوكرانيا. ويشير هذا المسار إلى صلة تجارية بين شبكة المشتريات الإيرانية وشركة مرتبطة بقطاع الطائرات المسيّرة، من دون أن يعني ذلك أن جميع الشاحنات المستوردة استُخدمت في العمليات العسكرية.
وأظهرت البيانات أيضًا أن الكيان استورد أعدادًا كبيرة من شاحنات تويوتا هايلوكس ولاند كروزر، وهي مركبات يمكن تعديلها لتثبيت أسلحة أو نقل معدات عسكرية. وفي يناير 2025، استورد أربع شاحنات من طراز تويوتا تندرا، الذي يستخدمه الحرس الثوري في نقل الطائرات المسيّرة، وفق التحقيق.
وقالت تويوتا لرويترز إنها لا تمارس أعمالًا تجارية في إيران، وإنها لم تشارك في عمليات الشراء التي تناولها التحقيق ولم تكن على علم بها.
طرق إمداد من الصين وروسيا وأوروبا
تكشف بيانات الاستيراد أن المعدات والمواد وصلت إلى إيران برًا وبحرًا وجوًا. وشملت الشحنات بضائع سُجل منشؤها في الصين وروسيا وألمانيا ودول أخرى في الاتحاد الأوروبي والإمارات، مع وصول إمدادات عبر بحر قزوين من روسيا، وبالشاحنات من آسيا الوسطى، وعلى متن طائرات شحن من الصين.
وسُجلت أيضًا واردات بقيمة 27 مليون دولار من الإمارات اشترتها جهات عسكرية إيرانية منذ بدء الحرب، وكان معظمها قد وصل بحرًا. وكانت أحدث شحنة من الإمارات، وصُنفت ضمن الأجهزة الإلكترونية، قد وصلت في 27 يونيو 2026، بعد تسعة أيام من إعلان الولايات المتحدة تعليق حصارها البحري. ثم استؤنف الحصار في منتصف يوليو.
ولا يثبت تسجيل بلد ما منشأً لشحنة أن حكومته شاركت في توريدها أو كانت على علم باستخدامها النهائي. وفي هذا السياق، قالت وزارة الاقتصاد والصناعة والتجارة اليابانية لرويترز إنها لا تستطيع التعليق على تفاصيل التحقيق، لكنها أكدت تطبيق ضوابط صارمة على تصدير السلع المرتبطة بالأمن القومي.
وقالت متحدثة باسم وزارة الخزانة الأمريكية إن الولايات المتحدة قطعت شرايين اقتصادية عن النظام الإيراني، وإنها تواصل مواجهة محاولاته الالتفاف على العقوبات وتمويل برامجه العسكرية. ولم ترد وزارة الدفاع الروسية والبيت الأبيض والقيادة المركزية الأمريكية على طلبات التعليق التي أرسلتها رويترز.
معدات صناعية تدعم تصنيع الصواريخ والمسيّرات
إلى جانب المواد الكيميائية والمتفجرات والشاحنات، أظهرت البيانات استيراد إيران معدات صناعية متقدمة، بينها مخارط تعمل بالتحكم الحاسوبي، وأفران تستخدم حزم الإلكترونات، ومسرعات جسيمات.
وتُستخدم هذه المعدات في تطبيقات صناعية ومدنية متعددة، لكنها تتيح أيضًا تصنيع مكونات دقيقة لهياكل الصواريخ والطائرات المسيّرة. وأكد أربعة خبراء في العقوبات والأسلحة اطلعوا على نتائج التحقيق أن كثيرًا من المواد التي استوردتها الشبكة يمكن أن تدخل في برامج الصواريخ والمسيّرات الإيرانية.
وخلص التحقيق إلى أن المنظومة وفرت مواد خام ومكونات تحتاج إليها إيران لتصنيع أسلحتها محليًا، بدل الاعتماد الكامل على استيراد المعدات العسكرية الجاهزة. وتزداد أهمية هذه المشتريات مع قدرة الوسطاء على إخفاء هوية المشتري النهائي، وتعدد المسارات التي تصل عبرها الشحنات إلى البلاد.
لكن الاستخدام المزدوج لبعض المعدات يفرض التمييز بين ما يمكن أن يخدم الصناعات المدنية وما يُستخدم فعليًا في تصنيع الأسلحة. ولم تتمكن رويترز من التحقق بصورة مستقلة من جميع أوصاف البضائع ومناشئها، إذ اعتمدت في بعض الحالات على الرموز الجمركية الواردة في السجلات.
امتدادات إلى مؤسسات اقتصادية وشخصيات عسكرية
لم يقتصر التحقيق على شركات الاستيراد، بل تتبع صلات بين كيانات وزارة الدفاع ومؤسسات اقتصادية شبه حكومية تعرف باسم ”البنياد“، تديرها شخصيات من النخبة الإيرانية. وأظهرت الوثائق علاقات تجارية وتحويلات داخلية بين بعض هذه المؤسسات وكيانات مرتبطة بوزارة الدفاع.
كما ربط التحقيق أرقام هواتف مسجلة باسم 91 كيانًا من الشبكة بسجلات مصرفية في بنك سبه الحكومي تخص أفرادًا من الحرس الثوري لديهم حسابات لدى البنك. وبين هؤلاء قائدان اتهمتهما الولايات المتحدة بارتكاب انتهاكات بحق محتجين مدنيين.
وتوضح هذه الروابط امتداد الشبكة إلى دوائر عسكرية واقتصادية إيرانية، لكنها لا تثبت أن جميع الكيانات تؤدي الوظيفة نفسها أو أن كل معاملة تجارية ترتبط مباشرة ببرنامج تسلح.
شبكة تتيح استمرار المشتريات رغم العقوبات
تكشف الوثائق التي راجعتها رويترز عن منظومة مشتريات واسعة أتاحت لجهات عسكرية إيرانية الوصول إلى مواد ومعدات مرتبطة ببرامج الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة، عبر وسطاء وشركات أجنبية ومسارات دفع لا تعتمد في معظم الشحنات التي شملتها المراجعة على تحويلات مالية عابرة للحدود.
وتظهر السجلات أن تعدد الكيانات والوسطاء ومسارات الإمداد ساعد على استمرار المشتريات رغم العقوبات المفروضة على المؤسسات العسكرية الإيرانية. لكن التحقيق لم يثبت أن جميع المعدات المستوردة استُخدمت عسكريًا، أو أن الحكومات التي وردت بلدانها في سجلات المنشأ شاركت في عمليات الشراء.
المصدر: تحقيق استقصائي لوكالة رويترز، نُشر في 29 أكتوبر 2026.
رابط التحقيق الأصلي: