اعلان كاك بنك صحيفة النقابي.

ماذا لو انسحبت المملكة؟ وما المطلوب جنوباً؟

كتب/عبدالكريم أحمد سعيد

يطرح مقال الدكتور أحمد عبداللاه، بعنوان «ماذا لو انسحبت المملكة؟ وما المطلوب جنوباً؟»، سؤالاً استراتيجياً بالغ الأهمية، يتجاوز مجرد احتمال حدوث تحول في الموقف السعودي، إلى سؤال أعمق يتعلق بمدى جاهزية الجنوب للتعامل مع مرحلة جديدة قد تفرضها التحولات الإقليمية والدولية. فالمسألة لا تتعلق فقط بما إذا كانت المملكة ستنسحب أو تعيد ترتيب حضورها، وإنما بما أعده الجنوب لليوم التالي، وكيف يمكنه إدارة أي متغيرات من موقع سياسي وأمني مؤسسي متماسك.
لقد أثبتت التجارب أن الاعتماد على المظلات الإقليمية، مهما كانت أهميتها، لا يمكن أن يكون بديلاً عن بناء القوة الذاتية والمؤسسات الوطنية. ولذلك فإن التحدي الحقيقي أمام القوى الجنوبية لا يتمثل في غياب الدعم الإقليمي بقدر ما يتمثل في امتلاك القدرة على إدارة المرحلة المقبلة، والحفاظ على تماسك الصف الجنوبي، وتوحيد القرار السياسي والأمني والعسكري، بما يحول دون نشوء أي فراغ يمكن أن يتحول إلى مصدر تهديد للجنوب وقضيته.
وفي هذا السياق، يحتاج الجنوب اليوم، أكثر من أي وقت مضى، إلى التفاف وطني واسع حول المجلس الانتقالي الجنوبي العربي بقيادة الرئيس القائد عيدروس الزبيدي، باعتباره الحامل السياسي والمفوض من قبل شعبنا لقيادة المرحلة، بما يحافظ على المكتسبات، ويصون تضحيات الشهداء، ويعزز القدرة على مواجهة الاستحقاقات القادمة. ومن شأن هذا الالتفاف أن يتيح تكامل الجهود الجنوبية على قاعدة الشراكة ووحدة الصف، وفقاً لما جاء في الميثاق الوطني الجنوبي باعتباره أرضية وطنية للتوافق وتنظيم العلاقة بين مختلف المكونات والقوى الجنوبية.
ولا يمكن فصل مستقبل الجنوب عن موقعه الجغرافي والاستراتيجي. فامتداد سواحله على بحر العرب وخليج عدن، وإشرافه على باب المندب، يجعلان أمن الجنوب مرتبطاً بصورة مباشرة بأمن البحر الأحمر والممرات البحرية الدولية. ومن هنا تبرز أهمية بناء علاقات متوازنة مع المحيطين الإقليمي والدولي، تقوم على المصالح المشتركة والاحترام المتبادل، بعيداً عن الارتهان لأي طرف، وبما يعزز موقع الجنوب كشريك فاعل في تحقيق الأمن والاستقرار الإقليمي والدولي.
ولذلك، فإن المطلوب جنوباً ليس انتظار ما قد تقرره المملكة، ولا التعامل مع أي تحول باعتباره نهاية مرحلة وبداية فراغ، وإنما الاستعداد المسبق لمختلف الاحتمالات. وهذا يتطلب تعزيز التماسك الوطني، وتوحيد الرؤية والقرار السياسي، وإعادة تنظيم وتكامل المؤسسات والقوى الأمنية والعسكرية، إلى جانب بناء أدوات سياسية ودبلوماسية واقتصادية قادرة على التعامل مع المتغيرات وتحويلها إلى فرص تخدم المصالح الوطنية الجنوبية.
إن التحولات الكبرى لا تنتظر جاهزية أحد، ومن يترك نفسه رهناً للمتغيرات يفقد جزءاً كبيراً من قدرته على التأثير فيها. ولذلك فإن قوة الجنوب في المرحلة المقبلة لن تقاس فقط بما يمتلكه من إمكانات عسكرية أو بما يحظى به من دعم إقليمي، وإنما بقدرته على بناء موقف سياسي موحد، ومؤسسات فاعلة، ورؤية وطنية واضحة، وعلاقات متوازنة مع محيطه الإقليمي والدولي.
ومن هنا، فإن سؤال «ماذا لو انسحبت المملكة؟» ينبغي ألا يتحول إلى سؤال عن الفراغ الذي قد يتركه الآخرون، بل إلى حافز للتفكير في كيفية منع أي فراغ من أن يتحول إلى تهديد للجنوب وقضيته. فالاستعداد لليوم التالي يبدأ من اليوم، عبر تعزيز وحدة الصف الجنوبي، وتماسك مؤسساته والقرار السياسي والأمني والعسكري، بما يعزز القوة التفاوضية في أي تسوية سياسية قادمة، تمكن الجنوبيين من امتلاك مقومات القدرة على مواجهة التحولات المقبلة بثبات وثقة، وصولاً إلى تحقيق حقوقهم المشروعة في استعادة الدولة الجنوبية بنظام فدرالي حديث، يتعايش في ظله الجنوبيون بأمن واستقرار وسلام، مع جيرانهم ومحيطهم الإقليمي والدولي.

زر الذهاب إلى الأعلى