اعلان كاك بنك صحيفة النقابي.

مليونية الذكرى لتأسيس الجيش الجنوبي: شعبٌ عظيم.. وقائدٌ عظيم

أكرم العلوي

حين يخرج الشعب عن بكرة أبيه لا تسأل عن العدد، اسأل عن المعنى.

منذ الفجر والناس تتوافد إلى الساحة من الجبال والوديان والسواحل والمدن. مشياً على الأقدام، وفي القوافل، وبالأعلام المرفوعة عالياً.
في ساحةٍ واحدة وتحت سماءٍ واحدة اجتمعت الحناجر والقلوب والرايات.
ولم تكن مجرد تجمع، كانت إعلان ميلاد جديد.

كانت مليونية تأسيس الجيش الجنوبي.
والأرض امتلأت، والسماء كادت أن تمتلئ، والهتاف واحد، والنبض واحد، والهدف واحد:
جيش جنوبي موحد، منظم، عقائدي، يحمي الأرض ويصون الكرامة.

اللافتات لم تكن ورقاً فقط، كانت وصايا يرفعها الناس ويرددها الصدى من كل اتجاه:
“جيشنا هو الضامن”
“لا أمن إلا بقوة”
“الشعب يريد جيشاً جنوبياً”

وفي وسط هذا الزخم ظهرت العظمة الحقيقية.
عظمةٌ لا تُصنع في القصور، بل تُصنع في الميادين.

رأيت الشيخ الكبير يحمل علم الجنوب وعصاه،
والشاب الذي ترك جامعته وجاء،
والأم التي زغردت وهي تودع ابنها لصفوف التدريب،
والتاجر الذي أغلق محله وقال ببساطة: “اليوم يوم وطن”.

هذا شعب دفع الثمن مقدماً بالشهداء والجرحى والحصار والصبر ولم يساوم.
خرج اليوم لا ليطلب وظيفة ولا منحة، خرج ليقول: “نحن أصحاب القرار”
نحن من نقرر شكل أمننا، ومن يحمي حدودنا، ومن يمثلنا في معادلة المنطقة.

العظمة أن الناس لم تنتظر أحداً. بادرت وحشدت ونظمت وقدمت نفسها ككتلةٍ واحدة لا يمكن تجاوزها.
وفي اللحظات التي تتفرق فيها البوصلة يظهر من يجمعها.

القائد العظيم لا يصنع الزخم بل يفهمه ويقوده. يحول الغضب إلى بناء، ويحول التضحية إلى مؤسسة.
وقف أمام المليونية وكانت الكلمة الفصل واضحة:
التأسيس ليس شعاراً، هو خطة، وهو هيكلة، وهو عقيدة.

جيش من أبناء الجنوب، لخدمة الجنوب، تحت قيادة جنوبية، بعقيدة وطنية تحترم الجوار وتحمي السيادة.

لم يعد بوعود فضفاضة، وعد بشيئين فقط:
1. الانضباط: جيش نظامي لا مليشيات، يحترم القانون ويحمي المواطن.
2. الاستمرارية: مشروع وطني لا يتغير بتغير الظروف، هدفه تمكين الجنوب من الدفاع عن نفسه وعن خياراته.

لهزت القاعة، لأن الناس تعبت من الخطابات وأرادت فعلاً.. وهذا ما قدمه.

ولماذا الآن؟ ولماذا الجيش؟
لأن التجارب علمتنا درساً قاسياً: من لا يحمي نفسه بيده ينتظر غيره فيقرر عنه.
المرحلة القادمة لا تحتمل الفراغ، ولا ازدواجية السلاح، ولا تعدد الولاءات.
تأسيس الجيش الجنوبي هو إعلان أن الجنوب اختار أن يكون دولة مؤسسات، لا ساحة صراعات.

هذا الجيش ليس ضد أحد، هو من أجل الجميع.
من أجل تأمين الطرق، وحماية الحدود، ومنع التهريب، وإعادة هيبة الدولة، وإعطاء المستثمر والمواطن شعوراً أن هناك ظهراً يحميه.

ومن قلب المليونية خرجت ثلاث رسائل لا تحتمل اللبس:

1. للداخل: انتهى زمن التشرذم. إما أن نكون جيشاً واحداً، أو لا نكون.
2. للإقليم: الجنوب شريك أمن واستقرار، ولديه القدرة على حمل مسؤولياته.
3. للعالم: هذا شعب قرر مصيره بسلمية وحشود. وتجاهله يعني تجاهل الواقع.

المليونية انتهت، لكن أثرها بدأ.
الزخم الذي كاد يغطي الأفق اليوم سيتحول غداً إلى معسكرات تدريب، وإلى كليات عسكرية، وإلى خطط دفاع، وإلى عقيدة راسخة في عقول الأجيال القادمة.

شعبٌ عظيم لأنه لم يستسلم.
وقائدٌ عظيم لأنه ترجم إرادة الشعب إلى مشروع.
وجيشٌ قادم لأنه ضرورة بقاء.

التاريخ لا يكتبه المتفرجون، يكتبه من وقف في الميدان وقال: “أنا هنا”.
واليوم وقف الجنوب كله في الميدان.

تحية لكل أم زفت ابنها، ولكل شاب لبى النداء، ولكل من آمن أن الوطن لا يحرسه إلا أبناؤه.

زر الذهاب إلى الأعلى