الأول من سبتمبر.. حين يستعيد الجنوب ذاكرة الجيش ويجدد عهد الطريق

معاذ فيزان
في الأول من سبتمبر، لا يستعيد الجنوبيون مجرد ذكرى تأسيس جيشهم، بل يستعيدون محطة بارزة من تاريخ طويل ارتبط فيه بناء المؤسسة العسكرية الجنوبية بفكرة الدولة والهوية والسيادة والانتماء الوطني.
وفي الذكرى الخامسة والخمسين لتأسيس الجيش الجنوبي، تعود الذاكرة إلى رجال حملوا السلاح في زمن كانت فيه المؤسسة العسكرية عنوانًا للانضباط والتضحية، وارتبط اسمها بأجيال من الضباط والجنود الذين قدموا حياتهم دفاعًا عن أرضهم وشعبهم، تاركين خلفهم إرثًا لا يمكن اختزاله في مناسبة عابرة أو احتفال بروتوكولي.
إنها ذكرى الشهداء قبل أن تكون ذكرى المؤسسة، وذكرى التضحيات قبل أن تكون ذكرى التاريخ؛ ولذلك فإن الوفاء الحقيقي لهم لا يكون بالكلمات وحدها، وإنما بالثبات على المبادئ، وبالعمل من أجل بناء مؤسسات جنوبية قادرة على حماية المجتمع وصون أمنه وحقوقه.
لقد أثبتت السنوات الماضية أن الجنوب لا يستطيع أن يكون حاضرًا سياسيًا من دون أن يمتلك قدرة أمنية وعسكرية تحمي مكتسباته وتواجه الإرهاب والتطرف وتحفظ الاستقرار. ومن هنا تأتي أهمية دعم القوات المسلحة الجنوبية، ليس باعتبارها قوة عسكرية فحسب، وإنما باعتبارها إحدى الركائز الأساسية لأي مشروع مستقبلي يقوم على الأمن والاستقرار وبناء مؤسسات الدولة.
وفي هذه المناسبة، يصبح الحديث عن السيادة أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى.
فالجنوب الذي قدم آلاف الشهداء دفاعًا عن أرضه وحقوقه، لا يمكن أن يقبل أن تتحول إرادته الوطنية إلى مساحة للوصاية أو الإملاءات الخارجية. وعندما يرفض الجنوبيون الوصاية، فإنهم لا يعلنون عداءهم لأحد، ولا ينكرون أدوار الأشقاء، وإنما يؤكدون حقهم الطبيعي في أن يكون قرارهم السياسي والعسكري نابعًا من إرادتهم ومصالح شعبهم.
العلاقة مع الأشقاء يمكن أن تقوم على الشراكة والاحترام المتبادل، لكن الشراكة شيء، والوصاية شيء آخر.
ومن هنا، فإن دعوات القيادة الجنوبية في المجلس الانتقالي الجنوبي إلى الحشد الجماهيري في العاصمة عدن والمكلا تحمل، إلى جانب بعدها الاحتفائي بذكرى تأسيس الجيش، رسالة سياسية واضحة مفادها أن القضية الجنوبية ما زالت حاضرة في وجدان الشارع، وأن أبناء الجنوب يريدون التعبير عن موقفهم بصورة سلمية وحضارية، وبما يعكس تطلعاتهم الوطنية.
وإذا كان الاحتشاد الجماهيري حقًا مشروعًا للتعبير عن الرأي، فإن المسؤولية الأكبر تقع على الجميع في أن يكون هذا الحضور منضبطًا وسلميًا، وأن يتحول إلى رسالة سياسية راقية تعكس وعي شعب يتطلع إلى الأمن والاستقرار، لا إلى الفوضى والصدام.
كما أن مواجهة الإرهاب والتطرف يجب أن تبقى قضية وطنية تتقدم على الحسابات السياسية الضيقة. فالجنوب دفع ثمنًا باهظًا جراء العمليات الإرهابية، ولن يكون من المقبول أن تتحول مكافحة الإرهاب إلى شعار موسمي أو ورقة للمساومات السياسية. المطلوب هو بناء منظومة أمنية وعسكرية مهنية، قادرة على حماية المواطنين ومؤسسات الدولة، وتجفيف منابع التطرف، وفق القانون واحترام حقوق الإنسان.
إن استعادة روح الجيش الجنوبي لا تعني استعادة الماضي بكل تفاصيله، وإنما تعني الاستفادة من دروسه، وإعادة بناء مؤسسة عسكرية حديثة، مهنية، منضبطة، ولاؤها للوطن ومهمتها حماية الأرض والمواطن، بعيدًا عن المناطقية والحزبية والاستقطابات.
وفي الأول من سبتمبر، لا يحتاج الشهداء إلى مزيد من الشعارات بقدر ما يحتاجون إلى أن نكون أوفياء للمبادئ التي ضحوا من أجلها.
نحتاج إلى جنوب آمن ومستقر، وإلى مؤسسات قوية، وإلى قرار وطني مستقل، وإلى شراكات متوازنة مع الأشقاء والأصدقاء، وإلى مشروع سياسي قادر على تحويل التضحيات المتراكمة إلى واقع جديد يحفظ للجنوب حقوقه ومكانته ومستقبله.
ومن عدن إلى المكلا، تبقى الرسالة واحدة: الجنوب لا ينسى شهداءه، ولا يتخلى عن حقوقه، ولا يفرط في إرادته الوطنية.
وفي ذكرى تأسيس الجيش الجنوبي، نجدد العهد للشهداء بأن تبقى تضحياتهم حاضرة في ضميرنا، وأن يكون طريقنا نحو المستقبل قائمًا على الثبات والوعي والعمل السياسي، حتى تتحقق تطلعات شعب الجنوب، وتُصان حقوقه، ويُبنى مستقبله بإرادته الحرة.
الأول من سبتمبر ليس مجرد ذكرى في التقويم؛ إنه موعد يتجدد فيه العهد، وتستعيد فيه الذاكرة صوت الرجال الذين كتبوا صفحات من تاريخ الجنوب بالتضحية والانضباط والشجاعة.
رحم الله شهداء الجنوب، وحفظ أرضه وشعبه، وكتب له مستقبلًا يسوده الأمن والاستقرار والحرية والكرامة.