#فاطمة_اليزيدي تكتب: املؤوا كل السجون.. لن تزيدوا نارنا إلا اشتعالًا

كتب/فاطمة اليزيدي:
في كل مرحلة من مراحل نضال الشعوب، يعتقد أصحاب القوة أن السجون قادرة على كسر الإرادة، وأن القيود تستطيع أن تطفئ جذوة الحرية، وأن الاعتقالات قادرة على صناعة الخوف. لكنهم يتناسون حقيقة راسخة في التاريخ؛ أن السجون لم تكن يومًا مقبرة للقضايا، بل كانت دائمًا مصانع للثوار، وأن القيود تتحول في وجدان الشعوب إلى أوسمة شرف، وأن كل زنزانة تُغلق على حرّ، تفتح ألف باب أمام قضية لا تموت.
املؤوا كل السجون…
ازرعوا القضبان في كل مدينة…
وشيّدوا المعتقلات في كل شارع…
فلن تحبسوا قضية، ولن تكسروا شعبًا، ولن تطفئوا نارًا اشتعلت منذ سنوات طويلة في صدور الملايين.
لقد خرجت عدن، وخرجت حضرموت، وخرجت المهرة، في مشهد استثنائي يعكس حجم الاحتقان والإصرار لدى قطاعات واسعة من أبناء الجنوب. لم تكن الجموع مجرد أرقام، ولم تكن الساحات مجرد أماكن للاحتشاد، بل كانت رسالة سياسية صاخبة تقول إن إرادة الشعوب لا تُقهر، وإن الأصوات التي ترتفع من الميادين أقوى من كل أدوات القمع.
حين تحتشد الجماهير بهذا الزخم، فإنها لا تطلب امتيازات، بل تعلن موقفًا. موقفًا يرفض الوصاية، ويرفض الإملاءات الخارجية، ويرفض أن تتحول الكلمة الحرة إلى تهمة، والصحفي إلى متهم، والناشط إلى سجين، والرأي إلى جريمة.
إن اعتقال الناشطين والإعلاميين والسياسيين لن يصنع استقرارًا، ولن يفرض صمتًا دائمًا، لأن الأفكار لا تُعتقل، والقناعات لا تُكبل، والإيمان بالقضية لا يُسجن خلف الجدران.
كم من الأنظمة اعتقدت أن الزنازين هي الحل؟
وكم من السجون امتلأت بالأحرار؟
ثم بقيت السجون خاوية، بينما بقيت القضايا حيّة في ضمير الشعوب.
إن الجنوب، بالنسبة إلى أنصاره، لم يعد مجرد جغرافيا، بل أصبح هويةً وقضيةً ومشروعًا سياسيًا يتجدد مع كل جيل. وكلما اشتدت الضغوط، ازداد الالتفاف الشعبي حول ما يعتبرونه حقهم في تقرير مصيرهم ورسم مستقبلهم.
لقد أراد البعض أن يخيف الناس بالاعتقالات، فإذا بالجماهير ترد بالمليونيات.
وأرادوا إسكات الأصوات، فإذا بالساحات تتحول إلى منابر لا يمكن إغلاقها.
وأرادوا تفريق الصفوف، فإذا بالهتافات تؤكد وحدة المصير المشترك بين أبناء الجنوب.
هذه هي معادلة الشعوب…
كل معتقل يولد ألف مناضل.
وكل سجين يوقظ ألف ضمير.
وكل قرار قمعي يشعل ألف ساحة.
إن الرسالة التي خرجت من عدن وحضرموت والمهرة، في نظر المشاركين فيها، لم تكن موجهة إلى الداخل فحسب، بل إلى كل من يظن أن مستقبل الجنوب يمكن أن يُفرض بالإكراه أو يُصاغ بعيدًا عن إرادة أبنائه. فقد أكدت الحشود تمسكها بمواقفها السياسية، ورفضها لما تعتبره تدخلًا في قرارها، وإصرارها على مواصلة العمل السلمي من أجل تحقيق أهدافها.
إن التاريخ لا يكتب أسماء السجانين، بل يحفظ أسماء الذين صبروا في الزنازين دفاعًا عن أفكارهم.
ولا يخلّد من أصدر أوامر الاعتقال، بل يخلّد من رفض أن يبيع كرامته مقابل حريته.
ولا يتذكر من أغلق الصحف، بل يتذكر من كتب الحقيقة وهو يعلم أن ثمنها زنزانة.
فاملؤوا السجون…
فلن تمتلئ القلوب بالخوف.
واعتقلوا من شئتم…
فلن تعتقلوا الحلم.
وصادروا الأقلام…
فلن تصادروا الكلمة.
وأغلقوا المنابر…
فلن تغلقوا ضمير شعب قرر أن يتمسك بما يؤمن به.
إن القضايا العادلة، في نظر أصحابها، لا تُهزم بالقوة، ولا تنتهي بالملاحقات، ولا تنكسر بالترهيب. بل تزداد حضورًا كلما اشتدت محاولات إخمادها، لأن الإيمان بها ينتقل من فرد إلى شعب، ومن جيل إلى جيل.
واليوم، كما يرى أنصار الحراك الجنوبي، فإن الرسالة باتت أوضح من أي وقت مضى: إن الطريق الذي اختاروه لن يتغير بالاعتقالات، ولن يتبدل بالضغوط، وسيواصلون التعبير عن مطالبهم بالوسائل التي يرونها مشروعة، حتى يبلغ مشروعهم السياسي غايته.
املؤوا كل السجون…
لكن اعلموا أنكم لن تجدوا سجنًا يتسع لفكرة.
ولن تبنوا جدارًا يحجب شمس الحرية.
ولن تصنعوا قيدًا يكبل إرادة شعب يؤمن بقضيته.
فالنار التي أشعلتها التضحيات لا تنطفئ…
بل تزداد اشتعالًا.