#حوار الطرشان

علي سيقلي
ليست كل الحوارات تستحق أن تُسمى حوارًا، فبعضها لا يعدو كونه عنوانًا بلا مضمون، وصدىً يتردد في الفراغ دون أن يلتقي طرفاه على أرضية مشتركة. وما يُروَّج له اليوم تحت مسمى “الحوار الجنوبي/الجنوبي” يبدو، حتى اللحظة، أقرب إلى فكرة معلقة في الهواء منه إلى عملية سياسية جادة تستند إلى معايير واضحة وجدول زمني معلوم وأهداف محددة.
فمنذ أشهر، يتكرر الحديث عن هذا الحوار، لكن أحدًا لا يعرف متى سيبدأ، ولا من سيشارك فيه، ولا ما هي مرجعياته، ولا جدول أعماله، ولا حتى الضمانات التي تحكم مخرجاته. وكأن المطلوب من الجنوبيين أن يثقوا في حوار لا يعرفون عنه سوى اسمه، بينما تبقى بقية التفاصيل حبيسة الغرف المغلقة.
والأكثر إثارة للتساؤل أن هذا الحوار يُقدَّم باعتباره “حوارًا جنوبيًا/جنوبيًا”، في الوقت الذي يُقال إنه سيُعقد تحت مظلة الشرعية اليمنية، وهي شرعية تعلن في كل وثائقها ومواقفها الرسمية تمسكها بوحدة اليمن، وترفض الاعتراف بحق الجنوب في تقرير مصيره أو استعادة دولته السابقة. وهنا يبرز السؤال المنطقي: كيف يمكن لطرفين جنوبيين أن يتحاورا حول مستقبل قضية سياسية، بينما السقف الذي يُفرض عليهما مسبقًا يمنع أصلًا مناقشة جوهر تلك القضية؟
إذا كان سقف الحوار محددًا سلفًا، وكانت إحدى أهم القضايا المستبعدة من النقاش هي مستقبل الجنوب السياسي، فما الذي سيتحاور حوله الجنوبيون؟ هل سيكون الحوار حول تقاسم المناصب؟ أم حول إعادة توزيع الحصص؟ أم حول تحسين العلاقة داخل إطار سياسي يختلف كثير من المشاركين المحتملين مع أسسه أصلاً؟
الحوار الحقيقي لا يبدأ بتحديد النتائج قبل انعقاده، ولا بفرض خطوط حمراء على القضايا الجوهرية، لأن الحوار الذي يُمنع فيه النقاش حول القضية الأساسية يتحول إلى تمرين سياسي أكثر منه وسيلة للوصول إلى حلول.
ثم يبرز سؤال آخر لا يقل أهمية: لماذا تصر المملكة العربية السعودية على استضافة هذا الحوار على أراضيها؟
لا أحد ينكر ثقل المملكة ودورها الإقليمي، ولا تأثيرها في الملف اليمني، لكن إذا كان المقصود بالفعل هو “حوار جنوبي/جنوبي”، فلماذا لا يُعقد داخل الجنوب نفسه، ليبعث برسالة سياسية بأن الجنوبيين قادرون على إدارة شؤونهم في أرضهم؟
وإذا كانت هناك اعتبارات أمنية أو سياسية تحول دون ذلك، فلماذا لا يُنقل إلى دولة محايدة تحظى بقبول الجميع، وتوفر بيئة أكثر اطمئنانًا لجميع الأطراف، بعيدًا عن أي انطباع بأن الحوار يجري تحت تأثير طرف يمتلك نفوذًا مباشرًا في الملف؟
فالمكان، في مثل هذه الحوارات، ليس مجرد تفصيل بروتوكولي، بل يحمل دلالات سياسية لا تقل أهمية عن جدول الأعمال نفسه. واختيار مكان الانعقاد يبعث برسائل تتجاوز الجغرافيا إلى طبيعة الجهة الراعية، وحدود استقلالية القرار، وهو ما يجعل التساؤل مشروعًا حول أسباب الإصرار على مكان بعينه دون غيره.
والتجارب السياسية علمتنا أن الحوارات الناجحة لا تُقاس بعدد الصور التذكارية ولا بعدد البيانات الختامية، وإنما بمدى اقتناع الأطراف بأنها دخلت الحوار بإرادة حرة، وخرجت منه بنتائج تعكس إرادتها، لا إرادة من نظم اللقاء أو حدد سقفه.
أما إذا ظل الحوار مجهول الموعد، وغامض المرجعية، ومقيدًا بسقوف سياسية مسبقة، فإن وصفه بالحوار يصبح محل نقاش هو الآخر. لأن الحوار، في أبسط تعريفاته، يفترض وجود استعداد للاستماع إلى الرأي الآخر، لا مجرد إدارة اختلافات داخل مساحة مرسومة سلفًا.
وفي النهاية، يبقى السؤال الذي ينتظر إجابة واضحة: هل المطلوب حوار جنوبي حقيقي يناقش مستقبل الجنوب بكل خياراته دون استثناء، أم مجرد لقاء سياسي يُراد له أن يحمل اسم الحوار، بينما تبقى القضايا الكبرى خارج قاعة النقاش؟
فإذا كانت القضية الجنوبية هي جوهر الخلاف، واستُبعدت من جدول الحوار، فإن ما سيُعقد لن يكون حوارًا حول القضية، بل حوارًا حول كل شيء… إلا القضية نفسها. ومن هنا قد يبدو المشهد أقرب إلى حوار الطرشان؛ حيث يتحدث الجميع، لكن لا أحد يسمع ما يريد الآخر قوله، لأن السقف سبق الكلمات، والنتائج سبقت النقاش.