لماذا يحتفل الجنوبيون بسقوط المنتخب السعودي وكأنه تحرير؟.. الشماتة التي فضحت وصاية الرياض

كتب:
هشام صويلح
لم تكن مجرد مباراة كرة قدم، ولا هزيمة رياضية وقتية. عندما سقطت الرباعية الإسبانية (4-0) في شباك المنتخب السعودي، مساء اليوم الأحد، لم يكتفِ أبناء الجنوب العربي بمشاهدة المباراة، بل حولوها إلى عرس جماعي، أشعلوا خلاله الألعاب النارية في عموم المدن، ورفعوا الأعلام الجنوبية، وتبادلوا المنشورات التي تصف اللحظة بأنها “عيد قومي”. السؤال الذي يفرض نفسه بقوة: كيف تحولت هزيمة منتخب عربي إلى مناسبة فرح بهذا الشكل في الجنوب العربي؟ والإجابة، لا علاقة لها بكرة القدم بقدر ما لها علاقة بسياسات الرياض وعلاقتها المتوترة بقضية الجنوب.
عمّت الفرحة شوارع العاصمة عدن، وامتدت إلى حضرموت والمهرة وشبوة وأبين ولحج وصولاً إلى الضالع. وتداول ناشطون مقاطع فيديو تظهر إطلاقاً كثيفاً للألعاب النارية، وهتافات تخلط بين الفوز الإسباني والشماتة بالسعودية. وكتب أحد الناشطين وهو يوثق المشهد من وادي حضرموت أن أبناء المدينة يعبرون بطريقتهم الخاصة عن فرحتهم بخسارة المنتخب السعودي على نظيره الإسباني، في إشارة واضحة إلى أن الاحتفال موجه ضد الرياض لا مع إسبانيا.
لم تقتصر الاحتفالات على الشارع، بل انتقلت إلى منصات التواصل حيث تصدرت هاشتاجات قائمة التفاعل، مع منشورات حملت سخرية لاذعة ومباشرة، من أبرزها تلك التي سخّرت من التحركات السعودية في وادي حضرموت بالقول: “كل الدول المشاركة في مونديال 2026 عيونها على الكأس، باستثناء السعودية؛ فعينها على حضرموت”، ومنشور آخر قال ساخراً إن مدرب المنتخب السعودي صرّح بأن سبب الخسارة أن اللاعبين رفعوا صورة عيدروس الزبيدي، في تناقض ساخر يعكس التعامل السعودي مع المجلس الانتقالي الجنوبي، بينما ذهب ثالث إلى أبعد مدى بالسخرية من المؤسسات السعودية قائلاً: “الخارجية السعودية تعلن تحميل عيدروس الزبيدي مسؤولية الهزيمة النكراء.. وجاري تقديم شكوى لمجلس المطلقات”.
لم يخفِ الناشطون الجنوبيون دوافعهم السياسية خلف هذه الفرحة، حيث عبّر أحدهم مستنكراً التحول الحاد في المشاعر، متسائلاً: بالأمس كان الجنوبيون يشجعون المنتخب السعودي ويعبرون عن أسفهم في حال هزيمته، واليوم يحصل العكس، فمن أوصل الناس إلى هذا الموقف؟ وأجاب بنفسه بأن سياسات الإذلال والجرائم المرتكبة بحق الشعب الجنوبي هي من صنعت هذا التحول. وفي منشور آخر اعتُبر خلاصة الموقف، كتب ناشط أن السياسة الخارجية لآل سعود نجحت نجاحاً منقطع النظير في كسب كره وحقد أغلب الشعوب العربية، واليوم كل عربي فرحان بهزيمتهم، وشعب الجنوب احتفل بالألعاب النارية، مختتماً بقاعدة ساخرة: “اللي يزرع الوصاية والاحتلال.. يحصد الكره والشماتة، واللي يستعبد الشعوب.. الشعوب تحتفل بسقوطه حتى بالكورة”.
في المشهد الجنوبي المعقد، حيث تتداخل القضية الوطنية مع صراعات النفوذ الإقليمي، لم تكن صفارة الحكم نهاية مباراة، بل كانت إشارة لتفجير مكبوت سياسي راكمه الجنوبيون تجاه ما يعتبرونه “وصاية سعودية” على قرارهم المصيري. فالاحتفال بهزيمة السعودية، في هذا السياق، لم يكن احتفاءً بإسبانيا بقدر ما كان احتفاءً بسقوط هيبة “الدولة الكبيرة” في قلوب مواطنين يشعرون بأن الرياض تتعامل مع قضيتهم باستعلاء وتجاهل. والشماتة، هنا، ليست مجرد رد فعل سياسي، بل رسالة مبطنة مفادها أن كرامتهم لا تقل عن كرة قدم، ومواقفهم ليست للبيع.
رباعية إسبانيا في شباك السعودية، التي قد تمر كخبر رياضي يمر مرور الكرام في أي مكان آخر، تحولت في الجنوب إلى استفتاء شعبي ساخر على السياسات السعودية، ففي اليوم الذي خسر فيه المنتخب السعودي أربعة أهداف، خسرت الرياض – في وجدان الجنوبيين – أربعة أضعافها من الثقة والشعبية. الألعاب النارية التي أضاءت سماء عدن وحضرموت لم تكن مجرد أضواء في ليلة رياضية، بل كانت وميضاً سياسياً يكشف عمق الشرخ بين شعب يريد تقرير مصيره ودولة تُصر على وصايته.