عدن في الظلام.. وعود تتبخر وأحمال ثقيلة على السكان

النقابي الجنوبي/خاص
أنهك الصيف عدن قبل أن يبدأ. هنا، صارت الكهرباء أكثر من مجرد خدمة غائبة؛ إنها ذلك المقياس اليومي الذي يختبر قدرة الحياة على الاستمرار. الليل لا يُحدَّد بموعد غروب الشمس، بل بساعة انقطاع التيار. والنهار لا يُقاس بدرجة حرارته، بل بمدى تحمّل الناس لساعات طويلة بلا كهرباء.
لا يسأل السكان عن رفاهية. يريدون فقط ما يبقي المدينة على قيد التوازن: ساعة تشغيل هنا، وساعتان هناك، في مواجهة انقطاع يبتلع معظم اليوم في بعض المناطق. المشكلة ليست تقنية محضة، بل مرآة لوعود تراكمت دون أن تجد طريقها إلى أرض الواقع.
حياة يومية تحت ضغط الانقطاع
في أحياء عدن، تتكرر التفاصيل الصغيرة نفسها. الأسر صارت ترتب يومها على إيقاع جدول الكهرباء، لا عقارب الساعة. الأطفال ينامون مبكرًا لا هربًا من تعب أو دراسة، بل من حرّ المنازل الذي لا يُطاق. أما كبار السن والمرضى فيدورون في فلك ضغط مضاعف، حيث أبسط احتياجاتهم الصحية رهينة بتيار قد لا يأتي.
تقول إحدى الشهادات المتداولة بين السكان إن المدينة “تعيش في ظلام دامس”. لا بالمعنى الحرفي وحده، بل كحالة معيشية كاملة تبتلع المياه والخدمات والقدرة على ممارسة حياة طبيعية. ومع كل صباح، تتسع المسافة بين ما كان مُنتظرًا من تحسن وما يحدث فعليًا.
وعود لم تكتمل ومسار متعثر
قبل أشهر، كان الحديث عن تحسينات مرتقبة في قطاع الكهرباء، وعن دعم خارجي يُفترض أن يعيد بعض الاستقرار لشبكة تنوء تحت الضغط منذ سنوات. لكن ما جرى على الأرض، بحسب وصف السكان، كان العكس تمامًا.
لم تزد ساعات التشغيل. استمرت الانقطاعات الطويلة لتصل، في بعض التقديرات، إلى أكثر من 16 ساعة يوميًا، مقابل ساعات محدودة لا تغطي الحد الأدنى من الاحتياج. التراجع لم يبقَ رقمًا على ورق، بل تسلّل إلى تفاصيل الحياة: المياه، الغذاء، العمل، حتى الحركة داخل المدينة. وعند هذه النقطة، لم يعد الحديث عن “تحسين تدريجي” يقنع أحدًا، والفجوة بين الوعود والتنفيذ أخذت تتسع بدل أن تضيق.
الكهرباء كعنوان لأزمة أوسع
ما يحدث في عدن لا يُختزل في الكهرباء وحدها، ولو أنها الأكثر وضوحًا ووطأة. الأزمة تمتد إلى المياه والوقود والرواتب والخدمات الصحية، في انهيار متداخل للمنظومة الخدمية بأكملها.
غير أن الكهرباء تبقى العصب الأكثر حساسية. حين تنقطع، لا تغيب الإنارة فحسب، بل تتوقف المضخات، وتتعطل الأجهزة الطبية، وتتراجع القدرة على العمل، وترتفع درجات المعاناة داخل البيوت. ويرى السكان أن هذا التدهور لا يحدث بمعزل عن سياق من سوء الإدارة وتداخل الصلاحيات، وهو ما يجعل أي حل جزئي عاجزًا عن احتواء الأزمة.
المواطن في مواجهة يومية مع الواقع
اللافت ليس حجم الأزمة فقط، بل طريقة تعايش الناس معها. تحولت المعاناة، بمرور الوقت، إلى نمط حياة مفروض تُعاد فيه صياغة الأولويات كل يوم.
بعض الأحياء تعتمد على المولدات الخاصة، لكنها ليست حلًا بقدر ما هي عبء جديد في ظل ارتفاع أسعار الوقود وتراجع القدرة الشرائية. أحياء أخرى لا بدائل فيها إطلاقًا، ليصبح الانقطاع الكامل واقعًا يوميًا لا مهرب منه. مع ذلك، لا يكفّ الناس عن المطالبة بحياة طبيعية، مطلب بات في سياق المدينة تحديًا مستمرًا لا مجرد أمنية بسيطة.
بين الصبر والإنهاك
يُقال إن في المدينة صبرًا، لكنه لم يعد قبولًا بالواقع، بل حالة إجبارية صنعتها الظروف. كل يوم انقطاع إضافي ينحت من هامش الاحتمال، ويرفع منسوب الإرهاق النفسي والمادي.
أطفال يكبرون ولا يعرفون طعم الاستقرار الخدمي. مرضى مرتبطون بأجهزة أو تبريد مستمر يجدون أنفسهم فجأة في مواجهة انقطاع قد يهدد حياتهم. وبقية السكان عالقون بين محاولة التكيف والبحث عن حلول فردية لا ترقى إلى حجم المشكلة العامة.
صوت المدينة بين الاحتجاج والانتظار
لا يغيب الصوت الشعبي عن المشهد. هناك من يرى أن المدينة تُدار بوعود متكررة لا تصير واقعًا. وهناك من يختصر المسألة في مقارنة قاسية بين ما يُعلن وما يُنفذ.
تتعالى المطالب بتحسين عاجل للخدمات، لكن الشعور السائد أن الحلول المؤجلة لم تعد تسعف أحدًا، وأن الأزمة بلغت مرحلة لا تحتمل الوعود والتوقعات، بل تفرض معالجة مباشرة.
أزمة تتجاوز حدود الخدمة
الكهرباء محور المعاناة اليوم، لكن ما تحمله يتجاوز البنية التحتية إلى سؤال أكبر: كيف تستمر مدينة في وضع كهذا؟ ساعة الانقطاع الإضافية لا تعني فقط تيارًا غائبًا، بل تعمق الإحساس بعدم الاستقرار. وهنا، لم يعد السؤال “متى تعود الكهرباء؟” وحده المطروح، بل صار السؤال: كيف يُستعاد الحد الأدنى من التوازن الذي يسمح للحياة أن تستمر؟
مدينة تبحث عن استعادة إيقاعها
تعيش عدن على إيقاع غير منتظم، يتأرجح بين ساعات قليلة من الضوء وساعات طويلة من العتمة. بين هذه وتلك، تتراكم تفاصيل يومية صغيرة ترسم صورة أكبر لأزمة ممتدة.
المطلب الأساسي بسيط وواضح: حياة يمكن التنبؤ بها، وخدمات تعمل باستقرار، وواقع لا يفرض على الناس أن يخترعوا يومهم من جديد كل صباح. إلى أن يتحقق ذلك، تبقى المدينة عالقة بين ما وُعدت به وما تعيشه فعليًا، في انتظار اللحظة التي يلتقي فيها الكلام مع الواقع.