اعلان كاك بنك صحيفة النقابي.

الحروب الطويلة لا تُدار دائماً بالبندقية وحدها

العميد/رياض درويش

الهجوم المستمر الذي تشنه مليشيات الحوثي على يافع والضالع لا يمكن قراءته فقط كتحرك عسكري عابر، بل كرسالة سياسية وعسكرية تحمل أكثر من هدف في توقيت حساس ومعقد.

فالضالع ويافع ليستا مجرد مناطق جغرافية، بل تمثلان رمزية كبيرة في مسار المواجهة، باعتبارهما من أكثر المناطق التي واجهت الحوثيين وقدّمت تضحيات كبيرة منذ بداية الحرب.

استمرار التصعيد على هذه الجبهات يعني أن الحوثي يدرك جيداً أهمية إنهاك القوى الجنوبية واستنزافها عسكرياً واقتصادياً ومعنوياً، ومحاولة إبقائها في حالة دفاع دائم بدلاً من الانتقال إلى أي مرحلة أكثر قوة أو استقراراً.
كما أن استهداف هذه المناطق يهدف إلى إرسال رسالة بأن حالة الهدوء أو الاستقرار النسبي يمكن كسرها في أي لحظة، وأن المليشيات ما تزال قادرة على فتح جبهات واستنزاف الخصوم متى أرادت.

لكن السؤال الأعمق الذي يطرحه كثيرون:
هل الحوثي وحده المستفيد من استمرار هذا التصعيد؟
الواقع السياسي والعسكري المعقد في اليمن يجعل المشهد مفتوحاً على أكثر من قراءة، فكل حالة إنهاك للجبهات الجنوبية أو توتر أمني وعسكري داخل الجنوب، تخدم بصورة أو بأخرى أطرافاً لا تريد للجنوب أن يستقر أو يمتلك قراراً قوياً ومتماسكاً.
لأن أي قوة جنوبية مستقرة وموحدة سياسياً وعسكرياً تصبح رقماً صعباً في أي معادلة قادمة.

هناك من يرى أن استمرار فتح الجبهات واستنزافها يتقاطع مع مصالح قوى تستفيد من بقاء الجنوب غارقاً في الأزمات والصراعات، حتى يبقى ضعيفاً ومشغولاً عن ترتيب أوضاعه الداخلية أو فرض حضوره السياسي بشكل أقوى.
فالحروب الطويلة لا تُدار دائماً بالبندقية وحدها، بل أحياناً عبر إدارة الاستنزاف، وإبقاء الجميع في دائرة إنهاك دائم.

وفي المقابل، فإن أبناء يافع والضالع وغيرهما من مناطق الجنوب أثبتوا خلال السنوات الماضية أنهم ليسوا مجرد خطوط تماس، بل حاضنة صلبة للمواجهة، وأنهم رغم التضحيات والظروف القاسية ما زالوا يشكلون سداً منيعاً أمام أي محاولات للتوسع أو فرض الأمر الواقع بالقوة.

ويبقى المؤلم أن هذه الجبهات المشتعلة تأتي في وقتٍ يعيش فيه المواطن أوضاعاً معيشية وخدمية صعبة، وكأن الجنوب يخوض معركة على أكثر من جبهة:
جبهة عسكرية مع الحوثي، وجبهة مع الأزمات الاقتصادية والخدمية، وجبهة سياسية مليئة بالتعقيدات والحسابات المتشابكة.
وفي النهاية، أي قراءة واقعية للمشهد تؤكد أن استمرار الهجمات على يافع والضالع ليس حدثاً معزولاً، بل جزء من صراع أكبر على النفوذ والهوية والتوازنات، تدفع ثمنه الأرض والناس والتضحيات اليومية.

زر الذهاب إلى الأعلى