#د/ محمود شائف : الجنوب في ذكرى إعلان 4 مايو 2017: إرادة لا تنكسر… ومسار لايتراجع

تهل علينا الذكرى التاسعة لإعلان عدن التاريخي، وهي ذكرى لا نستحضر فيها مجرد تاريخ، بل نستحضر لحظة فارقة أعادت للجنوب صوته ومكانته، ووضعت إرادة شعبه في صدارة المشهد السياسي بجدارة. من عدن، من ساحة الحرية بمدينة خور مكسر، قال الجنوبيون كلمتهم بوضوح وبصوت عالٍ واحد لا لبس فيه: نحن أصحاب قضية، وأصحاب حق، وأصحاب الأرض، وأصحاب القرار.
لقد شكّل هذا اليوم نقطة تحول حقيقية، حين توحّدت إرادة الشعب خلف قيادته السياسية ومشروعه السياسي الذي حمله على عاتقه المجلس الانتقالي الجنوبي، ليعبّر عن تطلعات شعب الجنوب العظيم الذي أنهكته الحروب والمؤامرات وتجارب الخذلان المؤلمة. وبرغم كل ذلك، لم يفقد هذا الشعب الجبار بوصلته، ولم يضل طريقه، ولم تضعف أو توهن عزيمته. وخلال الفترة التي أعقبت الإعلان، لم يعد الحديث عن القضية الجنوبية هامشًا في معادلة السياسة والصراع، بل أصبح هو جوهرها ومضمونها ومقصدها.
أيها الجنوبيون في كل مكان،
إن ما تحقق لم يكن وليد الصدفة، بل نتيجة نضال طويل وتضحيات جسام قدمها شعبنا بكل فئاته وشرائحه وتوجهاته.
وإن الحفاظ على هذه المكتسبات يتطلب وعيًا ونضجًا أعلى من التحديات، وإدراكًا مسؤولًا بأن وحدة الصف ليست خيارًا تكتيكيًا، بل ضرورة وجودية لا خيار دونها، وأن الاختلاف في الرأي لا يجب أن يتحول إلى صراع، بل إلى مصدر قوة يُثري التجربة ويعزز مناعتها وصمودها ويضمن استمرارها.
إن خيار استعادة الدولة الجنوبية لم يعد مجرد طرح سياسي، بل أصبح تعبيرًا عن إرادة شعبية وقناعة راسخة، تتطلب منا جميعًا التعامل معها بمسؤولية، عبر مشروع وطني متكامل يقوم على الشراكة، ويضمن الحقوق، ويؤسس لدولة عادلة تتسع للجميع دون إقصاء أو تهميش، على قاعدة “الجنوب لكل وبكل أبنائه”.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية صياغة رؤية موحدة تُعبّر عن إرادة شعب الجنوب كافة، تُبنى على أسس وطنية وشراكة واضحة، وتحظى بدعم وضمانات إقليمية ودولية، بما يحقق انتقالًا آمنًا ويؤسس لسلام دائم يحفظ الحقوق ويصون الكرامة.
كما أن الأمن والاستقرار يظلان الركيزة الأساسية لأي مشروع وطني ناجح، وهو ما يضع على عاتق الجميع مسؤولية دعم مؤسسات الجنوب وتعزيز حضورها، والعمل بروح الفريق الواحد بعيدًا عن الحسابات الضيقة.
ومن المهم التأكيد على أهمية الانفتاح والشراكة مع قيادة المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة، ولا ينبغي أن ننسى ما قدموه من دعم ومساعدة لشعبنا في مراحل مفصلية، وهو دعم لن نستغني عنه أبدًا، وهي شراكة ينبغي الحفاظ عليها وتطويرها بما يخدم المصالح المشتركة ويعزز استقرار المنطقة.
وفي هذا الإطار، تبرز أهمية الحوار الجنوبي بوصفه أداة وطنية جامعة، لا غاية شكلية أو محطة عابرة. ومن المهم أن يُبنى الحوار ويقوم على وضوح الهدف، ويستند إلى ثوابت القضية الجنوبية، ويُدار بروح المسؤولية التاريخية التي تضع مصلحة الجنوب فوق كل اعتبار. إن الحوار الذي نريده ليس حوارًا لتكريس الانقسام أو إعادة إنتاج الخلاف، بل حوار يُفضي إلى توحيد الرؤى وتكامل الجهود، وصياغة موقف سياسي موحّد ينتصر لإرادة شعبنا، ويعزز حقه المشروع في الحرية والكرامة واستعادة دولته الحرة المستقلة كاملة السيادة على كامل جغرافيا التراب الجنوبي.
إن التحدي الأكبر أمامنا اليوم ليس في وضوح الهدف، بل في قدرتنا على توحيد الوسائل، وترتيب الأولويات، والانتقال من حالة التوافق العاطفي إلى الفعل السياسي المنظم.
وفي ذكرى إعلان عدن، نجدد العهد بأن الجنوب سيظل مشروع أمة لا مشروع فئة، وأن مستقبله لن يُبنى إلا بإرادة أبنائه جميعًا، على قاعدة التسامح والتصالح، وقبول الآخر، والانفتاح على المستقبل.
فلنجعل من هذه الذكرى لحظة تقييم وتصحيح ومراجعة حقيقية ومسؤولة، لا مجرد احتفال، ولنثبت للعالم أن الشعوب التي تعرف ماذا تريد… لا يمكن أن تنكسر أو تُهزم.