اعلان كاك بنك صحيفة النقابي.

القضية الجنوبية.. مشروع استعادة دولة لا صفقة تسويات

د. افندي المرقشي

القضية الجنوبية ليست بندًا عابرًا على طاولة المساومات، ولا رقمًا يقبل القسمة على اثنين في معادلات التسويات المرحلية. إنها قضية شعب وهوية وتاريخ ودولة قائمة تم إسقاطها بفعل القوة، وظل أبناؤها يتمسكون بحقهم في استعادتها باعتبار ذلك حقًا سياسيًا وقانونيًا وأخلاقيًا غير قابل للتصرف.

لقد أثبتت التجارب أن تحويل القضايا الوطنية إلى “حصص” داخل مشاريع انتقالية أو تسويات هشة لا ينتج سلامًا عادلًا، بل يؤجل الانفجار. فالقضية الجنوبية ليست مطلب خدمات، ولا تحسين تمثيل، ولا شراكة شكلية في سلطة مركزية؛ بل هي مشروع استعادة دولة جنوبية كاملة السيادة، بحدودها وهويتها ومؤسساتها، وفق إرادة شعبها الحرة.

إن اختزال القضية في حلول ترقيعية أو في صيغ تقاسم سلطة لا تعالج جذور الصراع، يعني إعادة إنتاج الأزمة بأدوات جديدة. فالشعوب لا تناضل عقودًا من أجل نصف اعتراف أو ربع سيادة. وما لم يُعترف بأن جوهر القضية هو حق تقرير المصير واستعادة الدولة، فإن أي مقاربة أخرى ستظل مؤقتة وزائلة أمام ثبات الهدف.

القضية الجنوبية اليوم ليست موجة عاطفية، بل مشروع سياسي متكامل يستند إلى:
• إرادة شعبية متراكمة عبر سنوات من الحراك والنضال والتضحيات.
• واقع سياسي عبّر عن نفسه في أطر وتمثيلات جنوبية فاعلة على الأرض.
• حق قانوني وأخلاقي في تقرير المصير وفق مبادئ القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة.
• رؤية واضحة لبناء دولة مؤسسات قائمة على الشراكة والعدالة وسيادة القانون.

وعليه، فإن أي عملية سياسية جادة ينبغي أن تنطلق من الاعتراف بأن الجنوب طرفٌ سياسي بقضية وطنية مستقلة، لا تابعًا في صراع الآخرين، ولا رقمًا يُستخدم لتحسين شروط تفاوض هذا الطرف أو ذاك. إن السلام الحقيقي لا يُبنى على تجاهل جوهر الصراع، بل على الاعتراف به ومعالجته معالجة عادلة وشاملة.

إن استعادة الدولة الجنوبية ليست موقفًا عاطفيًا أو شعارًا مرحليًا، بل خيارًا استراتيجيًا يعكس قناعة راسخة بأن الاستقرار الدائم لا يتحقق إلا عبر تمكين الشعوب من تقرير مصيرها وصياغة عقدها الاجتماعي بإرادتها الحرة. وكل مشروع يتجاوز هذا الأساس محكوم عليه بأن يكون هشًا، مهما بدا قويًا

زر الذهاب إلى الأعلى