التاريخ لا يرحم الخائنين، لكنه يخلّد الأوفياء

فاطمة اليزيدي
قسمًا بربي لا نخون… لا نخون دمًا سال على تراب عدن، ولا نخون صرخة أمٍّ انتظرت ولدها عند بوابة المعتقل، ولا نخون حلم وطنٍ حملناه في صدورنا يوم كانت البنادق تتكلم والقلوب وحدها تعرف الطريق. اليوم، وبعد كل ما مررنا به، لم يعد في المشهد ما يُخفى؛ سقطت الأقنعة، وانكشفت الوجوه، وظهر من كان يساوم ومن كان يراوغ ومن كان يبتسم في النهار ويبيع في الليل.
في الفترة الماضية، عشنا اختبارًا قاسيًا للضمائر. رأينا كيف تحوّل بعض من تصدّروا المنابر ورفعوا الشعارات إلى سماسرة قضية، وكيف أصبحت “البناكس” والإغراءات التي قُدّمت من المملكة العربية السعودية كافية لتبديل المواقف وقلب الثوابت. من كان يقسم أمام الجماهير أن الجنوب خط أحمر، عاد ليكتب تقاريره بمداد الخضوع، ويبدّل خطابه بحسب حجم التحويلات. ومن كان يتغنّى بدم الشهداء، صار يفاوض عليه في الغرف المغلقة، ويبحث عن مقعدٍ هنا أو امتيازٍ هناك.
لم تكن الخيانة فجائية، بل جاءت على شكل تنازلات “صغيرة” قيل لنا إنها ضرورات مرحلة، ثم تبيّن أنها جسور عبور نحو الارتهان الكامل. قيل لنا اصبروا فالمعركة سياسية، فإذا بالسياسة تتحوّل إلى مقايضة، والواقعية إلى تبرير، والحكمة إلى صمتٍ مخجل أمام كل صفعة. ومع كل تنازل كان الشارع يفقد ثقة، وكانت القضية تُستنزف من الداخل أكثر مما تُستهدف من الخارج.
لكن، وسط هذا الركام، بقيت القلة القليلة… قلوب لم تلمعها الإغراءات، ولم تُغوِها الفنادق الفاخرة، ولم تُرهبها الضغوط. رجال ونساء ما زالوا يؤمنون أن حق استعادة دولة الجنوب ليس شعار موسم، بل عهد شرف لا يُكسر. أوفياء للشهداء الذين سبقوا، وللجرحى الذين ما زالوا يحملون وجعهم وسامًا، وللأمهات اللواتي لم يساومن على دم أبنائهن. هؤلاء هم ميزان الحقيقة، وهم من حفظوا للقضية نقاءها حين تكدّرت، وثباتها حين تزعزعت.
اليوم لم يعد الصراع فقط مع خصومٍ تقليديين، بل مع حالة انكشاف أخلاقي أصابت بعض من ظنناهم سندًا. لم يعد السؤال: من معنا؟ بل من ثبت حين اشتدّ الاختبار؟ من رفض أن يوقّع على بياض؟ من قال “لا” حين كانت “نعم” تفتح له الأبواب؟ هنا فقط يُعرف الرجال، وهنا تُصان القضايا.
إن الجنوب الذي قدّم قوافل من الشهداء لن يُختصر في بيانٍ مرتبك أو موقفٍ رمادي. الجنوب ليس صفقة عابرة، ولا ورقة ضغط تُستخدم ثم تُرمى. هو هوية وكرامة وتاريخ، وهو حقٌّ لا يسقط بالتقادم ولا يُلغى بتوقيع. وكل من ظن أن المال قادر على شراء الإرادة، سيكتشف أن الإرادة حين تُبنى على دمٍ طاهر لا تُشترى ولا تُباع.
نعم، انكشف الكثير، وسقط الكثير، وخذل الكثير… لكن الحقيقة الأهم أن القاعدة الصلبة ما زالت هنا. القلوب التي أقسمت بربها أن لا تخون ما زالت ثابتة، تعرف أن الطريق طويل، وأن الضغوط ستتضاعف، وأن محاولات الاحتواء ستستمر، لكنها تعرف أيضًا أن القضية التي عُمِّدت بالدم لا تُسلَّم لمن يدفع أكثر.
وفي الختام، نقولها مدوّية لا لبس فيها: قسمًا بربي لا نخون، لا نساوم، لا نبيع، لا نبدّل. سنبقى أوفياء لعهد الشهداء، ثابتين على حق استعادة دولتنا، مهما تكاثرت الإغراءات ومهما اشتدت العواصف. فمن خان مرة سيسقط إلى الأبد، أما من ثبت على العهد فسيبقى واقفًا كالجبل… والتاريخ لا يرحم الخائنين، لكنه يخلّد الأوفياء.