من صبر استراتيجي إلى سلاح الدستور: الجنوب يشرعن تطهير أرضه من أي وجود شمالي

شيماء وهبي
لماذا لم يطرد المجلس الانتقالي الجنوبي أو الرئيس عيدروس الزبيدي الوزراء الشماليين السابقين من عدن؟ سؤال سخيف يطرحه بعض الإعلاميين، لكن الإجابة عليه لم تعد رهناً بالتكهنات أو المزايدات، بل أصبحت محكومة بنص دستوري صريح صدر بعد يناير 2026، غيّر قواعد اللعبة تماماً.
فالإعلان الدستوري الجديد نص بوضوح على أن أي تواجد لمؤسسات عسكرية أو أمنية أو سيادية أو إدارية تتبع سلطات صنعاء أو القوى اليمنية الشمالية على تراب الجنوب العربي بعد صدور هذا الإعلان، يُعتبر وجوداً غير مشروع وصفة احتلالية سافرة، ويحق لشعب الجنوب ومؤسساته العسكرية التعامل معه كعدوان مهدد للسيادة الوطنية بشتى الوسائل. لم يعد الأمر مجرد خطاب ثوري، بل أصبح مادة دستورية ملزمة تحوّل أي مسؤول سياسي أو جندي شمالي يتواجد بصفة رسمية في الجنوب إلى محتل تجب مقاومته بقوة السلاح.
لقد كان المجلس الانتقالي في السابق ملتزماً بعهود دولية مثل اتفاق الرياض ومشاورات الرياض، التي فرضت وجوداً مؤقتاً لبعض الرموز الشمالية تحت مظلة مجلس القيادة الرئاسي لمواجهة خطر الحوثي المشترك. لكن مع تعثر تلك المسارات ووصولها إلى طريق مسدود، وبفعل الاعتصامات السلمية لشعب الجنوب، أعلن القائد عيدروس الزبيدي انتهاء فترة الاستضافة المشروطة، رافعاً سلاح الدستور هذه المرة لا سلاح الخطاب.
وبموجب هذا التحول، أصبح بقاء المواطن الشمالي البسيط كعامل أو نازح خاضعاً لقوانين الإقامة واللجوء الإنساني، بينما انتهى تماماً أي تواجد سيادي شمالي، واعتُبرت الألوية العسكرية المتبقية في بعض الجيوب الحدودية أو في وادي حضرموت قوات احتلال وفقاً لمنطوق المادة الأخيرة من الإعلان الدستوري.
يمكن القول إن تأخر هذا الإجراء لم يكن إلا صبراً استراتيجياً لنيل الشرعية الدولية، أما اليوم، في فبراير 2026، فقد أصبح لدى الجنوبيين السند القانوني الذي يشرعن تطهير أرضهم من أي تمثيل سياسي أو عسكري غريب من خارج الحدود. إنها لحظة فاصلة، حيث تحوّل الصبر إلى قوة، والخطاب إلى دستور، والانتظار إلى فعل حاسم يكرّس السيادة الجنوبية بلا رجعة