اعلان كاك بنك صحيفة النقابي.

#عبث_ لايصنع_نفوذًا… ولا يمرّر وصاية

علي سيقلي

في السياسة، قد تُجدي الضغوط أحيانًا، وقد تُصنع التحالفات تحت الطاولة، لكن ما لا يُصنع أبدًا هو النفوذ عبر العبث، ولا تُمرَّر الوصاية عبر الفوضى. فالشعوب التي دفعت كلفة الوعي دمًا ومعاناة، لا يمكن إعادة تشكيلها بحملات مرتجلة، أو إخضاعها بسلوكيات صبيانية طائشة، مهما بدا في ظاهرها أنها “أدوات نفوذ”.

في بلدٍ أرهقته الحروب بقدر ما أرهقته “الوصايات”، لم تعد الأحداث تُقرأ كما تُكتب، بل كما تُدار في الغرف المغلقة، وتُترجم على الأرض بسلوكيات خبيثة، أقرب إلى العبث منها إلى السياسة.

منذ أن انطلقت حملة تمزيق صور الرئيس عيدروس الزبيدي، لم يكن المشهد مجرد فعل عابر أو تصرف فردي طائش، بل بدا وكأنه انعكاس لحالة ارتباك أعمق تعيشها الجهات التي ظنت أن بإمكانها إعادة تشكيل الوعي الجنوبي عبر أدوات بالية، لا تجيد سوى العبث بالرموز، حين تعجز عن مواجهة الحقائق.

نجاح فعالية تجديد التفويض لم يكن مفاجئًا. كان نتيجة طبيعية لتراكمات طويلة من خيبات الأمل، والوعود المؤجلة، والسياسات المتناقضة. الجنوب اليوم لم يعد كما كان قبل سنوات، ولم يعد يقبل أن يُدار بعقلية “التجريب”، أو أن يُستخدم كورقة ضغط في مفاوضات لا تخصه بقدر ما تُفرض عليه.

المفارقة التي تستحق التوقف، أن كل حملة تشويه تستهدف المجلس الانتقالي، تأتي بنتائج عكسية تمامًا. فبدل أن تُضعفه، تعيد تشكيل الالتفاف حوله. وبدل أن تُفكك قاعدته، تدفع حتى المترددين أو المختلفين إلى إعادة التموضع، لا حبًا فيه بقدر ما هو رفضٌ لما يُحاك في الخفاء.

ما يحدث اليوم يكشف بوضوح أن هناك فجوة عميقة بين ما يُقال وما يُمارس. حديث متكرر عن “حوار جنوبي” لا يرى النور، مقابل انخراط فعلي في مسارات تفاوض أخرى، تُمنح فيها الوعود ذاتها لأطراف متعددة، وكأنها “شيكات سياسية” بلا رصيد.

أما السلوكيات على الأرض، فهي أكثر فجاجة من أن تُجمّل. تحريك مدرعات في جنح الليل لتمزيق صور، لا يمكن قراءته إلا كرسالة سلبية، تعكس عجزًا عن التأثير الحقيقي، ولجوءًا إلى أدوات استعراضية لا تغير من الواقع شيئًا، بقدر ما تفضح من يقف خلفها.

الجنوب اليوم لا يطلب المستحيل. ولا يسعى إلى صدام مفتوح. لكنه في المقابل لم يعد يقبل أن يُدار كملف ثانوي، أو أن تُفرض عليه خيارات لا تعبر عنه. ما يريده ببساطة هو وضوح في المواقف، واحترام لإرادته، وتعامل معه كشريك، لا كساحة نفوذ.
السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: ماذا تريد السعودية من الجنوب فعلًا؟

إن كانت تريد استقرارًا، فالأدوات الحالية لا تقود إليه.
وإن كانت تسعى لنفوذ، ففرضه بهذه الطريقة لن يدوم.
وإن كانت تراهن على الوقت، فالوقت في الجنوب لم يعد يعمل لصالح من يكرر الأخطاء.

لقد تغيّر الجنوب… وبات أكثر وعيًا بمن يمد له اليد، ومن يحاول أن يضعها في جيبه.

زر الذهاب إلى الأعلى