حين يتحول الاعلام الى منصة أكاذيب.. نصرٌ هش يُبنى على شيطنة الخصوم

كتب/أنور حزام
لم يعد بعض الإعلام في اليمن ينقل الحدث… بل يصنعه.
لا يصف الواقع… بل يعيد تركيبه وفق مقاس سياسي ضيق.
لا يبحث عن الحقيقة… بل يبحث عن رواية تخدم طرفاً وتُدين طرفاً آخر مسبقاً.
وفي قلب هذه الفوضى المهنية، برزت ظاهرة خطيرة: شيطنة الجنوب والمجلس الانتقالي الجنوبي كسياسة إعلامية ممنهجة، تُدار بوعي كامل، وتُستخدم فيها الأكاذيب، والمصطلحات المضللة، والتوصيفات العدائية، لتحقيق ما يشبه “نصراً إعلامياً” سريعاً… لكنه في الحقيقة نصر هش، بلا جذور، وبلا مصداقية.
هذا ليس انحرافاً إعلامياً عابراً… بل سقوط أخلاقي كامل.
فبدلاً من أن يكون الإعلام مساحة عرض للوقائع، قرر أن يتحول إلى طرف في الصراع.
قرر أن يُعرّف الجنوب لا كقضية سياسية، بل كخطر أمني.
وأن يُعرّف المجلس الانتقالي لا كفاعل سياسي، بل كميليشيا متمردة.
هكذا ببساطة.
يُستبدل المصطلح بالموقف، وتُستبدل المهنية بالتحريض، ويُستبدل التحليل بالاتهام.
فالكذبة الاعلامية اليوم لا تقال، بل تهندس وتبنى بذكاء خبيث عبر:
-تكرار مفردات شيطانية حتى تصبح مألوفة.
-اقتطاع الأحداث من سياقها.
-تضخيم الأخطاء وتجاهل الإنجازات.
-استضافة أصوات منحازة وتقديمها كخبراء.
-استخدام عناوين مشحونة تسبق عقل القارئ.
هكذا يُصنع وعي زائف يرى الجنوب كفوضى، ويرى الانتقالي ككارثة، بينما الواقع على الأرض يروي قصة مختلفة تماماً.
في هذا الخطاب، لا مكان للحديث عن جذور القضية الجنوبية.
لا مكان للتاريخ، ولا للسياق، ولا لحق الناس في التعبير عن تطلعاتهم.
الجنوب يُختزل إلى صداع سياسي.
والمجلس الانتقالي يُختزل إلى عقبة يجب تشويهها.
وهنا تتحول التغطية الإعلامية من عمل مهني إلى حملة علاقات عامة سوداء هدفها نزع الشرعية المعنوية قبل السياسية.
بذلك قد ينجح هذا الإعلام في خلق انطباع سريع لدى جمهور بعيد عن المشهد.
قد يخلق ضجيجاً.
قد يملأ الفراغ بالروايات.
لكن في الداخل، حيث يعرف الناس الحقيقة، يتحول هذا الإعلام إلى مادة للسخرية، ويفقد آخر ما تبقى له من احترام.
لأن الكذبة قد تصمد يوماً…
لكنها لا تستطيع العيش في مواجهة واقع يومي يراه الناس بأعينهم.
(الإعلام حين يسقط… يسقط معه من يستخدمه)
المشكلة أن هذا النوع من الإعلام لا يضر الجنوب فقط، بل يضر الجهة التي تستخدمه.
فحين يفقد الإعلام مصداقيته، يفقد الخطاب السياسي الذي يستند إليه أي وزن حقيقي.وتصبح الرواية الرسمية مجرد دعاية، لا يصدقها حتى صانعوها.
إن ما يحدث اليوم ليس تغطية إعلامية منحازة فحسب، بل حرب تشويه ممنهجة ضد الجنوب والمجلس الانتقالي.
حرب تُدار بالكلمة والصورة والعنوان، في محاولة لصناعة نصر إعلامي سريع، لكنه نصر بلا قيمة، لأنه مبني على الأكاذيب.
وفي النهاية، يبقى الواقع أقوى من أي رواية،
وتبقى الحقيقة أمتن من أي حملة شيطنة،
ويبقى الإعلام المضلل شاهداً على سقوط مهني وأخلاقي لن يُمحى بسهولة
لماذا كل هذا الهجوم؟
لأن المجلس الانتقالي فرض نفسه رقماً صعباً.
ولأن الجنوب لم يعد ساحة يمكن إدارتها من خلف المكاتب.
ولأن الواقع الشعبي لا يتطابق مع الرواية التي يريد البعض تسويقها.
وحين يعجز الخطاب السياسي عن المواجهة، يُستدعى الإعلام ليتولى مهمة التشويه.