الجنوب ليست فراغاً استراتيجياً ولا ساحة اختبار لإرادات خارجية

ابو ناصر فانون السنيدي
يثبت أبناء الجنوب مرة بعد أخرى أن إرادتهم ليست مادة قابلة للكسر أو المساومة مهما تنوّعت أدوات الضغط وتبدّلت أشكال الوصاية، فما تشهده محافظتا حضرموت والمهرة من مسيرات شعبية غاضبة تعبير صريح عن موقف سياسي جمعي يرفض أي وجود عسكري موالية لا تخضع للمؤسسة العسكرية الجنوبية على أرض الجنوب مهما كانت ذرائعه أو لافتاته.
لقد خرج الناس إلى الشوارع بصدور عارية رافعين صوتهم ضد عسكرة الأرض وضد تحويل محافظاتهم إلى ساحات نفوذ وصراع بالوكالة، هذا الحراك لم يكن موجهاً ضد مكوّن محلي بعينه ولا تعبيراً عن فوضى أو تحريض بل موقفاً سيادياً واضحاً الأرض الجنوبية ليست فراغاً استراتيجياً ولا ساحة اختبار لإرادات خارجية.
ما يزيد خطورة المشهد هو سقوط ضحايا في مدينة سيئون وهو تطور مؤلم يكشف إلى أي حد يمكن أن يقود تجاهل الإرادة الشعبية إلى نتائج مأساوية، إن الدم الذي يُسفك في مثل هذه اللحظات لا يُسقط المطالب بل يضاعف مشروعيتها ويضع من اختار الحل الأمني في مواجهة مباشرة مع الشارع ومع التاريخ.
الرسالة التي يبعثها أبناء حضرموت والمهرة لا لبس فيها الأمن لا يُبنى بالقوة والاستقرار لا يُفرض بالعسكر والسيادة لا تُدار بالإنابة.
فالمحافظات التي عُرفت تاريخياً بالحكمة وضبط النفس لم تتحرك إلا بعد أن ضاق الهامش وتأكد لها أن الأصوات السلمية تُقابل بالتجاهل وأن القرار يُتخذ بعيداً عن أهل الأرض.
إن محاولة كسر إرادة الجنوب عبر العسكرة أو القمع أثبتت فشلها في كل المراحل السابقة.
فالشعب قد يصبر لكنه لا يتخلى عن حقه في تقرير مصيره ولا يقبل أن تُدار شؤونه بمعزل عنه، وما يجري اليوم هو إنذار سياسي واضح تجاهل الشارع الجنوبي لم يعد خياراً آمناً والاستمرار في سياسات الفرض سيقود إلى مزيد من الاحتقان وعدم الاستقرار.
الخروج الحقيقي من هذا المأزق لا يكون عبر مزيد من القوات أو التصعيد بل عبر احترام الإرادة الشعبية وفتح مسار سياسي شفاف يعترف بحق أبناء الجنوب في إدارة أرضهم وأمنهم بعيداً عن الوصاية والتدخلات، فإرادة شعب الجنوب لا تُهزم ومن يراهن على إنهاكها، يخسر في النهاية مهما طال الزمن.