حضرموت ليست ورقة مفاوضاتك يا بن دغر

النقابي الجنوبي/ بقلم المحرر السياسي
لم يكن أحمد عبيد بن دغر يومًا صاحب موقف، بل كان دائمًا مشروع موقف مؤجَّل، يُفصَّل على قياس موازين القوة. ففي اللحظة التي كانت فيها عدن عام 2015 تخوض معركة الوجود، وتدفع من دم أبنائها ثمن الحرية، كان بن دغر واقفًا على الرصيف، يصفّق للانقلاب الحوثي ثم يتبرأ منه، يباركه همسًا ثم يلعنه جهرًا، وفقًا لاتجاه البوصلة لا وفقًا لضمير أو وطن.
هذا الرجل لم يدخل التاريخ من بوابة النضال، بل من نافذة الانتهازية. وحين انكشف عن وجهه الحقيقي، ولم يعد الانقلاب أداة له، لم يعتذر، ولم يراجع، بل انتقل بسلاسة فاضحة إلى ما سُمّي “الشرعية”، لا دفاعًا عنها، بل استخدامًا لها كرافعة شخصية، وكأن الدولة وظيفة مؤقتة، والسيادة فرصة استثمار سياسي.
اليوم، يطل بن دغر من منصة مجلس الشورى، لا بصفته ممثلًا لحضرموت، ولا صوتًا لأهلها، بل كقلم مأجور يوقّع على بيانات تُعيد إنتاج الوصاية باسم القانون. يتحدث عن “المركز القانوني للدولة” وكأنه اكتشاف عبقري، بينما هو في الحقيقة غطاء رخيص لمحاولة خنق الجنوب سياسيًا، بعدما عجزوا عن كسره عسكريًا.
في منطق بن دغر الأعوج، تتحول القوات الجنوبية—التي حررت الأرض، وحمت المدن، واجتثت الإرهاب—إلى “مشكلة قانونية”، بينما تُقدَّم قرارات رشاد العليمي الفردية، التي دهست إعلان نقل السلطة، على أنها قمة الحكمة الوطنية. هكذا تُقلب المعايير: الدم يصبح فوضى، والارتهان يصبح دولة.
إن بن دغر لا يدافع عن دولة، لأنه لم يعرفها يومًا. هو يدافع عن بقايا “شرعية ميتة سريريًا”، لا تحكم شبرًا في شمال اليمن، لكنها تُصرّ على ممارسة سيادة وهمية على الجنوب من خلف الجدران الزجاجية للفنادق. سيادة بلا أرض، بلا جيش، بلا شعب… لكنها مشبعة بالبيانات والتهديدات.
الأخطر أن الرجل لا يخجل من إعادة تدوير سياسة الابتزاز نفسها: الخدمات مقابل الخضوع، الرواتب مقابل الركوع. نفس العقلية التي أدار بها الحكومة وفشل، يعود ليطرحها اليوم وكأن الجنوب لم يتعلم الدرس. وكأن معاناة الناس ليست سوى ورقة ضغط في مفاوضاته مع مراكز النفوذ.
يا بن دغر، ما تحاول فرضه بالقانون المسيس فشلتم في فرضه بالدبابات عام 2015. وما لم تمنحكم إياه تضحيات الجنوبيين، لن تمنحكم إياه خطابات مجلس الشورى. حضرموت ليست ورقة تفاوض، والمهرة ليست ملحقًا إداريًا، والجنوب لم يعد ساحةً مفتوحة لتجار المواقف.
لقد تأخرتم كثيرًا عن فهم الحقيقة: الجنوب لم يعد ينتظر اعترافكم، ولا يخشى تهديداتكم، ولا يعترف بشرعية تستمد وجودها من الخارج وتُمارس عداءها للداخل. الشرعية الحقيقية صُنعت في الميدان، وحُفرت في الذاكرة، وتُحرس اليوم بسواعد رجال لم يكونوا يومًا في المنطقة الرمادية التي أدمنتها.
أما أنتم، فستبقون عالقين هناك… بين فشل قديم، وخطاب متهالك، وتاريخ يكتب أسماء الرجال، لا أسماء المتسلقين والخونة.