سقوط “العقد” وانكسار “الشراكة”: كيف وأدت وثيقة العهد والاتفاق شرعية الوحدة؟

غسان الجيلاني ابوردفان
لم تكن “وثيقة العهد والاتفاق” الموقعة في عَمّان عام 1994 مجرد محاولة سياسية أخيرة لتفادي الحرب، بل كانت في جوهرها “تعديلاً جوهرياً” لعقد الوحدة المبرم عام 1990، وإقراراً قانونياً صريحاً بفشل الاندماج القسري. واليوم، تبرز هذه الوثيقة كأقوى حجة قانونية تثبت بطلان اتفاقية الوحدة، بعد أن تحولت من عقد رضائي إلى “ضم بالقوة” يفتقر لأدنى مقومات الشرعية الدولية.
1. الاعتراف بالكيانية: الوحدة ليست اندماجاً نهائياً
إن توقيع وثيقة العهد والاتفاق بين قيادة دولة الجنوب وقيادة دولة الشمال برعاية عربية ودولية، هو اعتراف قانوني لا يقبل التأويل بأن الوحدة لم تكن انصهاراً أبدياً، بل كانت “شراكة بين كيانين دوليين”. هذا التوقيع أعاد الاعتبار للهوية القانونية للجنوب كطرف أصيل، وهو ما ينسف ادعاءات “الفرع العائد للأصل”، ويؤكد أن أي إخلال بهذه الشراكة يعيد الوضع إلى ما قبل “عقد الشراكة”.
2. انهيار الأساس القانوني (شرط صحة العقد)
جاءت وثيقة العهد والاتفاق لتضع شروطاً جديدة ومصيرية لإصلاح مسار الوحدة الفاشل، شملت إعادة هيكلة الدولة وتقاسم السلطة. في لغة القانون، عندما يُجمع الطرفان على وضع “ملحق مكمل” لاتفاق أصلي، فإن هذا الملحق يصبح جزءاً لا يتجزأ من شرعية الاتفاق.
وبما أن طرف الشمال (نظام علي عبدالله صالح) نقض الوثيقة قبل أن يجف حبرها، فإن الأساس القانوني لاتفاقية 1990 قد سقط تبعاً لسقوط الوثيقة المكملة لها.
3. الحرب كأداة للإبطال: من “الرضا” إلى “الإكراه”
تنص القواعد الآمرة في القانون الدولي (Jus Cogens) على أن أي اتفاقية تُفرض أو تُستمر بـ “استخدام القوة أو التهديد بها” تعتبر باطلة بطلانًا مطلقاً.
اندلاع حرب 1994 بعد توقيع الوثيقة مباشرة حوّل الوحدة من “عقد رضائي” بين دولتين إلى “احتلال عسكري” وفرض أمر واقع. إن “الدبابة” التي اجتاحت الجنوب لم تثبت الوحدة، بل أعلنت وفاتها قانونياً، لأن الوحدة التي تُفرض بالحديد والنار تخرج من نطاق “القانون الدولي” وتدخل في نطاق “الضم والالحاق”.
4. قاعدة “العقد شريطة المتعاقدين”
لقد كان قبول الطرف الجنوبي بالوحدة مشروطاً بالديمقراطية والتعددية والشراكة المتساوية، وهي الشروط التي نُسفت في وثيقة العهد والاتفاق ثم في حرب صيف 94.
قاعدة قانونية: إذا بُني الاتفاق على شرط، وأُخلّ بهذا الشرط من أحد الطرفين، حق للطرف الآخر التحلل من الالتزام واستعادة وضعه السيادي السابق.
5. الوثيقة كشاهد ملك على “الاحتلال”
وثيقة العهد والاتفاق لا تبطل الوحدة “تلقائياً”، لكنها تقدم “الدليل الجنائي والسياسي” على أن دولة الشمال قد نقضت كل عهودها. هذا النقض الممنهج يعطي الجنوبيين الحق الكامل في إعلان “بطلان العقد” أمام المحافل الدولية، باعتبار أن ما تلا عام 1994 ليس امتداداً للوحدة، بل هو واقع مفروض بقوة السلاح يفتقر للتفويض الشعبي والرضا القانوني.
هل يبقى العقد شرعياً بعد تمزيقه؟
إن السؤال الذي يواجه ضمير المجتمع الدولي والقانونيين هو: هل تظل الاتفاقية قائمة إذا قام أحد طرفيها بنقض شروطها ومحاولة تصفية الطرف الآخر عسكرياً؟
إن الإجابة القاطعة هي “لا”. فوثيقة العهد والاتفاق كانت الفرصة الأخيرة لمنح الوحدة “قبلة الحياة”، وبنقضها، سقطت شرعية الوحدة ولم يتبقَ منها سوى “غلاف سياسي” يغطي واقعاً استعمارياً يرفضه التاريخ والقانون.
القرار النهائي: إن الصمود الجنوبي اليوم ليس مجرد تمرد سياسي، بل هو تمسك بالحق الأصيل في استعادة السيادة بعد أن سقطت كل “الضمانات القانونية” التي كفلتها المواثيق الدولية والاتفاقات الثنائية.