علم الجنوب.. لا يُزيف ولا يُسرق

علم الجنوب.. لا يُزيف ولا يُسرق
كتب:هشام صويلح
في زمن تتسارع فيه الأكاذيب، تتفرد جماعة الإخوان وقنواتها بموهبة استثنائية: تحويل انهزاماتهم إلى انتصارات وهمية، وتزييف الذاكرة كما يشاؤون. لكن المشهد هذه المرة مختلف، فأحدث جرائمهم لا ترتكب بالدم فقط، بل بالخوارزميات. أتحدث عن قناة “يمن شباب” الإخوانية، التي تجاوزت كل الخطوط الحمراء حين وظفت تقنيات الذكاء الاصطناعي لخلق واقع مزيف، بهدف سرقة لحظة تاريخية خالصة—نصر تحرير عدن—وتسويقه بوصفه إنجازًا للوحدة التي دمرتهم.
المشكلة ليست في التزييف التقني فحسب، بل في الدوافع العميقة التي تقف خلفه. عندما تستخدم جماعة متطرفة تقنيات العصر لتزوير صورة “علم الوحدة المشؤومة” وكأنه خفق فوق سماء عدن المحررة، فإنها لا تخدع الجنوبيين فقط، بل تخدع نفسها أولاً. ويبقى السؤال البديهي الذي سيبقى بلا إجابة: أين كان هذا العلم حين كان المقاومون الجنوبيون يسطرون ملحمة التحرير؟
الحقيقة الصارخة، التي يعرفها كل من عاش تلك اللحظات، أن الراية الزائفة التي يروجونها اليوم لم تكن يومًا بين أيدي الأبطال. لقد رفعها في عدن الغزاة القادمون من مدن الشمال وقراه النائية، متحالفين مع الحوثيين وعفافيشهم، بينما كان أبناء الأرض الأصليون يكتبون التاريخ بدمائهم تحت رايتهم الحقيقية.
وهنا يصطدم التزييف بالحقيقة الأكثر إيلامًا لهم: الجنوبيون وحدهم، أصحاب الأرض الحقيقيون، لم يرفعوا غير علمهم. في ظل راية الجنوب صمدوا على جبهات القتال، وتحتها استشهد الآباء والإخوة والأبناء. تلك الراية لم تكن مجرد قطعة قماش ترفع وتخفض، بل كانت ولا تزال تعبيرًا صادقًا عن كرامة شعب قرر أن لا يرهن مستقبله لأحد، بعد أن دفع ثمناً باهظاً من دمائه على مدى عقود.
واليوم، وبينما يحاول الإخوان شراء التاريخ ببضع قطرات من الحبر الرقمي، تظل الحقيقة المرة التي يحاولون الهروب منها تطاردهم في كل زاوية: لا يمكن تزوير الذاكرة الجماعية لشعب عاش تفاصيل التحرير، كما لا يمكن شراء ضمير أمة. وإذا تأملنا هذه المناورة الإعلامية بعمق، نكتشف أنها تكشف عن أزمة وجودية حادة يعيشها الإخوان: أزمة هوية بعد فشلهم السياسي والعسكري، جعلتهم يبحثون عن شرعية في الماضي عجزوا عن صناعتها في الحاضر. وأزمة سردية، حيث أن عجزهم عن تقديم رواية مقنعة للواقع، يدفعهم لاختلاق ماضٍ وهمي يمنحهم غطاءً لا يستحقونه. وفوق هذا وذاك، أزمة أخلاقية كبرى، حيث أن توظيف التكنولوجيا في خدمة الكذب المنظم، يعكس انهيارًا في كل الضوابط الدينية والإنسانية التي يدّعون التمسك بها.
ما تفعله قنوات الإخوان اليوم، وفي مقدمتها “يمن شباب”، ليس مجرد حملة إعلامية عادية، بل هو اعتراف ضمني بالهزيمة. يمكن للذكاء الاصطناعي أن يخلق صورًا مزيفة، ويمكن للخوارزميات أن تنتج وقائع وهمية، لكن كل ذلك سيظل حبيس الشاشات، ولن يستطيع أبدًا محو ذاكرة شعب عاش التحرير حقيقةً لا خيالاً، ولمس التراب المقدس لعدن بأقدامه، ورأى بعينيه رايته الحقيقية ترفرف فوق مدنه المحرره.
الجنوب الذي دفع أثمانًا باهظة، وظل صامدًا رغم كل المؤامرات، سيبقى جنوبيًا. وعلمه الذي رفعته سواعد المقاومين، واستشهد في ظله الآباء والأبناء، سيبقى خفاقًا فوق كل ذاكرة، حياً في كل زفرة وكل صلاة وكل دمعة فرح ونصر. أما الإخوان، وأتباعهم، وقنواتهم، فسيبقون أسرى أكاذيبهم التي لا تخدع سواهم، يلفقون الصور بينما يكتب التاريخ نفسه بمداد لا تمحوه خوارزميات، ولا تشتريه أموال، ولا تزيفه ذكاءات اصطناعية.
علم الجنوب.. راية لا تُسرق، وذاكرة لا تُزيف، وشعب لا يموت.