اعلان كاك بنك صحيفة النقابي.
مقالات الراي الجنوبي

ثلاثون نوفمبر.. محطة التحرير واستحقاقات المرحلة القادمة

امين الاميني

تمر ذكرى ثورة ٣٠ نوفمبر حاملةً معها أكثر من مجرد ذكرى تحرر من الاستعمار؛ فهي لحظة تأسيسية في الوجدان الجمعي لأبناء الوطن بشكل عام.
ليست مجرد يوم انسحبت فيه القوات البريطانية، بل كانت لحظة ولادة سياسية صعبة، جسدت انتصار إرادة شعب وُصف بأنه لا يقهر. اليوم، ونحن نستحضر هذه الذكرى، فإن المطلوب ليس اجترار الماضي بل قراءته بوعي لاستخلاص العبر للمستقبل.

لم تكن ثورة ٣٠ نوفمبر حدثًا منفردًا، بل كانت تتويجًا لمسار كفاحي طويل قادته “الجبهة القومية للتحرير”. تميزت هذه المرحلة بوحدة الهدف الوطني رغم تعدد المشارب الفكرية آن ذاك، حيث توحد الجميع تحت شعار “طرد المحتل” كأولوية قصوى. لقد نجحت الثورة في تحويل حالة المقاومة الشعبية إلى مشروع دولة، وإن كان قد تلا ذلك تحديات كبرى في البناء.

الوقود الذي أشعل الثورة:
كان دم الشهداء، بدءًا من الشهيد الأول راجح لبوزة، هذه التضحيات لم تكن عشوائية، بل كانت جزءًا من استراتيجية كفاحية واضحة أرادت أن تقول للعالم إن هذا الشعب لم يعد يقبل بالوصاية، وأن زمن الاستعمار قد ولى.

حدثت الثورة في خضم حركة التحرر العالمية وفي قلب الصراع الإقليمي خلال الحرب الباردة.

استطاعت القيادة السياسية للثورة توظيف هذه الظروف لصالحها، مما منح القضية زخمًا خارجيًا ساهم في تعجيل انسحاب القوات البريطانية.

ورثت الدولة الفتية إرثًا استعماريًا مشوبًا بتناقضات؛ فمن ناحية، ورثت بنية تحتية واقتصادية جيدة نسبيًا في عدن، ومن ناحية أخرى، ورثت مجتمعًا مجزأً وتحديات بناء مؤسسات الدولة من الصفر في ظل ظروف إقليمية بالغة التعقيد.

ماذا الآن؟ استحقاقات المرحلة الراهنة

إن استحضار روح نوفمبر اليوم ليس غاية في حد ذاته، بل هو وسيلة لفهم الحاضر وبناء المستقبل. وهنا تبرز عدة استحقاقات:

استعادة الروح الوطنية الجامعة:
الدرس الأهم من نوفمبر هو أن الوحدة حول هدف وطني سيادي هي طريق النجاة ولا ينبغي الشتات حتى لو اختلفت الروى.

اليوم، هناك حاجة ماسة إلى إعادة إنتاج هذه الروح في إطار مشروع وطني جامع، يتجاوز الانقسامات والصراعات الضيقة، ويضع مصلحة الإنسان والوطن فوق كل اعتبار.

من منطق الثورة إلى منطق الدولة:
إذا كان منطق نوفمبر آن ذاك هو “الهدم” للاستعمار، فإن منطق المرحلة الحالية يجب أن يكون “البناء”.

بناء مؤسسات دولة القانون والمواطنة المتساوية، والاقتصاد المنتج، والعدالة الاجتماعية.
إن تحرير الأرض لم يكتمل بعد دون تحرير الإنسان من الفقر والجهل والمرض.

قراءة للتاريخ بموضوعية:
يجب الخروج من إطار “الأسطرة” إلى “الفهم النقدي” للتاريخ. ففهم إنجازات ما بعد نوفمبر وإخفاقاتها، بموضوعية وبعيدًا عن التجييش العاطفي والمناطقي، هو السبيل الوحيد لتجنب أخطاء الماضي.
هذا يتطلب حوارًا وطنيًا جريئًا وشاملًا.

قضية الأرض في الجغرافيا السياسية المعاصرة:

يجب العمل على إعادة تعريف دور الوطن الاستراتيجي، ليس كرهينة للصراعات، بل كجسر للتجارة والسلام والاستقرار، مستفيدًا من موقعه الجغرافي الفريد على باب المندب ومقدراته الطبيعية الهائلة.
هذا يتطلب رؤية اقتصادية واضحة وسياسية خارجية ذكية.

ثلاثون نوفمبر ليست لوحة معلقة على جدار الماضي، بل هي بوصلة للمستقبل.
التحدي اليوم هو كيف نترجم قيم التحرر والتضحية التي جسدتها الثورة إلى مشروع نهضة حقيقي، يليق بتضحيات الأمس وطموحات الغد.
إنها مسؤولية التاريخ التي لا مفر منها.

زر الذهاب إلى الأعلى