الجوع السياسي… وفقرٌ مدقع في بناء دولةٍ مدنيةٍ حديثة

وجبة يمنية بنكهات الفساد وبهارات الشعارات!
بقلم/ د. فيروز الولي
الجوع الذي يبدأ من الرأس لا من البطن
في اليمن، الجوع ليس في البطون بل في العقول والمناصب!
جوعٌ سياسيّ لا يُشبع، لا بعقود النفط ولا بالمساعدات الأممية، بل يزداد كلما اقتربت كلمة “دولة”.
إنه الجوع الذي جعل من كل مسؤول مشروع طباخٍ للفساد، ومن كل وزارة مطبخًا لصفقات السلطة.
حكومة بلا شرعية… وجماعة بامتيازات
كلّ من في ما تُسمّى “الحكومة الشرعية” — التي فقدت الشرعية لكنها احتفظت بالمخصّصات — يعاني من نَهَمٍ على الكراسي لا على خدمة الناس.
أما جماعة الحوثي، فتعاني من النوع ذاته من الجوع، لكن بتوابل دينية وشعارات “صرخوية” تُقدَّم ساخنة على موائد الوعي المسروق.
الكلُّ يتقاتل باسم “اليمن”، بينما اليمن نفسه يُقدَّم كوجبة رئيسية في وليمة الكبار!
فقرٌ مدقع في بناء الدولة المدنية
إنهم يشتركون جميعًا في فقرٍ مدقعٍ في بناء الدولة المدنية الحديثة — تلك الدولة التي يخشونها أكثر من أي عدو خارجي، لأنها ببساطة ستفتح ملفاتهم، وتكشف أرصدتهم، وتحوّل قصورهم إلى “إصلاحيات وطنية بخدمة قضائية سريعة”.
تخيلوا لو قامت دولة مؤسسية عادلة!
كارثة سياسية بالنسبة لهم.
فالدولة الحقيقية لا تُدار من الواتساب، ولا تُموّل من السفارات، ولا تُدار بالشعارات،
بل بالمحاسبة والشفافية… وهذان المصطلحان بالنسبة لطبقتنا السياسية بمثابة الكوابيس الليلية.
الأولوية: الدولار لا الوطن
الطريف أن الجميع يتغنّى بـ”الوطن أولاً”،
لكن عند مراجعة الأولويات نجد:
الأول هو الدولار، والثاني المنصب، والثالث السفر، والرابع العقار، أما الوطن… فهو بند ملغى من الموازنة!
الجوع السياسي جعلهم يتسابقون على المناصب كما يتسابق الفقراء على كيس قمح.
وحين يسقط أحدهم من الكرسي، يصاب بـ”هزال سياسي حاد” ويبدأ يوزّع تصريحات المعارضة كما يوزع المتسول كلمات الشفقة.
نفس الوجوه التي دمّرت، ترفع اليوم شعار “الإنقاذ”…
ونفس الأيادي التي نهبت، تُلوّح بشعار “العدالة”!
المواطن… شاهد لا يُستشار
أما المواطن اليمني، فقد صار شاهدًا لا يُستشار،
يعيش بين سلطتين، كلاهما تقول إنها “صوت الشعب”،
لكن الشعب نفسه صار صوتًا مكتومًا بين بنادق السياسة وميكروفونات الكذب.
يرفع يده للسماء كل يوم لا طلبًا للرزق،
بل لأن الكهرباء مقطوعة، والماء مقطوع، والأمل مقطوع أيضًا!
الإقليم… المطبخ المفتوح للفساد
ولأن الجوع السياسي يحتاج إلى تغذية، وجد في الإقليم مطبخًا مفتوحًا 24 ساعة.
كل دولة تموّل فصيلًا وتغذي صحنًا سياسيًا على ذوقها.
حتى صار اليمن أقرب إلى بوفيه مفتوحٍ للمصالح الإقليمية:
كلٌّ يأخذ حصته من الثروة والسيادة والعقول!
الخاتمة: كيف نُشبع هذا الجوع؟
لن يُشفى هذا الجوع السياسي إلا بثلاث وصفات حقيقية:
1. إعادة بناء مؤسسات الدولة على أساس العدالة لا الولاء، وعلى الكفاءة لا القرابة.
2. فرض المحاسبة الشفافة على كل من أكل باسم الوطن أو نهب باسم الدين أو قبض باسم الثورة.
3. تحرير القرار الوطني من الوصاية الإقليمية التي جعلت من اليمن مشروعًا تجاريًا طويل الأجل.
شِبع الوطن… لا شِبع الكراسي
حينها فقط، سننتقل من مرحلة “الجوع السياسي” إلى مرحلة “الشبع الوطني”،
ومن فقر الضمير إلى غنى الدولة،
ومن سماسرة الوطن… إلى مواطنين حقيقيين.
أما قبل ذلك، فابقوا جائعين يا ساسة اليمن —
لكن لا تلتهموا الوطن كله، فقد تبقّى لنا منه رائحة…
نريد أن نحتفظ بها كذكرى