#دماء الشهداء بين مصالح الحوار ومتاجرة السياسة

أبو ليث الحُميدي
ليست كل المعارك تُخاض بالسلاح، فبعضها يُدار بالكلمات… وأخطرها تلك التي تُستخدم فيها دماء الشهداء وقوداً للصراع السياسي.
مايجري اليوم في المنابر الإعلامية السعودية ، وعلى رأسها عكاظ ومعها قناتا العربية والحدث، ليس مجرد اختلاف في التناول، بل محاولة لإعادة صياغة الوعي عبر أكثر الملفات حساسية وإيلاماً.
حين يُعاد فتح ملف اغتيال قيادات جنوبية بارزة، وفي مقدمتهم اللواء الشهيد/ثابت جواس واللواء الشهيد/ جعفر محمد سعد، وتُدفع السردية باتجاه اتهام سياسي مباشر لدولة الإمارات، فإن السؤال الحقيقي ليس ما يُقال… بل لماذا يُقال الآن؟..التوقيت هنا ليس تفصيلاً، بل عنوان المرحلة.
الجنوب لم يكن ساحة جدل إعلامي، بل ساحة حرب حقيقية ضد الإرهاب. سنوات من الاغتيالات المنظمة، وخلايا تنشط في بيئة الفوضى، وقيادات عسكرية وأمنية كانت أهدافاً مباشرة لتلك الموجة.
الشهيد/ جعفر محمد سعد جاء إلى عدن في واحدة من أصعب المراحل الأمنية، في وقت كانت المدينة تعيش فراغاً وفوضى وتهديداً مباشراً من الجماعات المتطرفة، وكان اغتياله رسالة إرهابية واضحة لضرب مسار تثبيت الاستقرار، تماماً كما كان استهداف الشهيد/ ثابت جواس ضرباً لرمزية عسكرية ارتبطت بمواجهة قوى التمرد والفوضى.
وعندما تحركت القوات المسلحة الجنوبية بدعم إماراتي، انكشفت الشبكات، وتراجعت العمليات، وتغيّر المشهد الأمني على الأرض. هذه وقائع ميدانية لا تُمحى بخطاب إعلامي ولا تُعاد كتابتها بزوايا سياسية متبدلة.
اليوم، بدلاً من تثبيت هذه الحقيقة، يجري تقديم المشهد وكأن القضية مجرد صراع بين دول، لا مشروع اغتيالات منظم. هذا التحول في السردية لا يغير زاوية النظر فقط، بل يبدل موقع الجريمة نفسها داخل الوعي العام، ويُبعد الضوء عن البيئة الإرهابية التي صنعت الفوضى.
الشهيدان ثابت جواس وجعفر محمد سعد لم يسقطا في جدل سياسي، بل في معركة مفتوحة ضد الإرهاب.
وتحويل قصتهما اليوم إلى مادة شدٍّ إعلامي هو امتهان لحرمة الدم قبل أن يكون موقفاً سياسياً.
شهداء الجنوب أشرف من أن يتحولوا إلى أدوات في معارك الرسائل بين العواصم.
وهنا يبرز السؤال الأخطر سياسياً: كيف يمكن القبول بحوار يُراد له أن يُبنى في عاصمة، بينما إعلامها يجعل من دماء الشهداء مادة للصراع السياسي؟ ويبرئ الإرهابيين الحقيقيين!.
أي ثقة يمكن أن تُبنى، وأي مناخ تفاهم يمكن أن يتشكل، إذا كانت التضحيات التي يفترض أن توحّد الصف تُستخدم لإعادة توزيع الاتهامات وتصفية الحسابات؟
الحوار يحتاج أرضية احترام متبادل، لا منصات تعيد صياغة الدم وفق مزاج اللحظة. لأن من يعبث بملفات الشهداء اليوم، يرسل رسالة غداً أنه مستعد للعبث بكل شيء.
إن دماء شهداء الجنوب ليست مادة للمساومة، ولا جسراً لعبور الخلافات السياسية، ولا غطاءً لإعادة تشكيل الروايات.
ومن يضعها في هذا الموقع، يتجاوز الخط الأحمر الذي ينتهك كرامة شعب الجنوب.