حين يتحدث جرح عدن يتقدم صوت المدينة

محمد أنور العدني
في قاعة مزدحمة بالوجوه واللافتات، يدخل وفد يحمل شيئًا مختلفًا، لا يلفت الانتباه بالبدلات الرسمية ولا بالمقدمات البروتوكولية، بل بتلك الآثار الصامتة التي تركتها الحرب على أجساد أفراده، جرح في يد، أثر شظية في رأس، عرج خفيف في ساق، تفاصيل تحكي سيرة مدينة كاملة اسمها عدن.
هؤلاء لم يأتوا من خارج الحكاية، هم أصل الحكاية، أبناء الحوافي والحارات والأزقة التي تعرف رائحة البحر، وأصوات الباعة، وضجيج الحياة العدنية البسيطة، عاشوا الحرب بكل تفاصيلها، وشهدوا لحظات الخوف والصمود، واحتفظوا في ذاكرتهم بصورة المدينة وهي تنهض من تحت الركام في السابع والعشرين من رمضان.
حين جلسوا للحديث، اتجهت الكلمات نحو ملف واضح ومباشر، جرحى حرب 2015م وأسر الشهداء، الأسماء، القصص، البيوت التي ما زالت تنتظر التفاتة إنصاف، هذا الملف يمثل البوابة الإنسانية التي تبدأ منها أي رحلة جادة نحو مستقبل مستقر، حضور الجرحى في مواقع التأثير يمنح القرار بعدًا أخلاقيًا ويجعل صوت المدينة أكثر صدقًا وارتباطًا بواقعها.
ومن هذا الباب، تتقدم بقية العناوين بهدوء وترتيب، خدمات تعود للحياة، كهرباء ومياه مستقرة، مستشفيات قادرة على الاستقبال، مدارس تفتح أبوابها، وطرق تسهّل حركة الناس، تفاصيل يومية صغيرة تصنع شعور الأمان، وتعيد الثقة بين المواطن ومدينته.
#عدن بتاريخها العريق تظهر في كل زاوية من المشهد، مدينة عُرفت بالتنوع، وبالروح المدنية، وبقدرتها على احتضان الجميع، هذا الإرث الثقافي والاجتماعي يوجّه النقاش نحو سياسات مسؤولة، واقتصاد نشط، ومجتمع متماسك يحفظ هويته وينفتح على مستقبله بثقة.
وتعود عدن لتتذكر ملاعبها، مسارحها، شواطئها، ووجوه شبابها الطامحين، المرأة العدنية تحضر كصوت فاعل، والشباب كطاقة بناء، لتتشكل صورة مدينة تتحرك في كل الاتجاهات نحو الحياة.
في النهاية، المشهد لا يحتاج ضجيجًا، يحتاج وجوهًا صادقة، وخبرة تعرف تفاصيل المكان، وإدارة تعمل بثبات، هكذا تتحدث عدن عن نفسها، عبر أبنائها الذين حملوا عنها الألم، ويعملون اليوم ليحملوا عنها الأمل