اعلان كاك بنك صحيفة النقابي.

عدن.. بين البحر والنسيان، جرح يتعافى ببطء

 

بقلم / محمد علي رشيد النعماني

كانت عدن في منتصف القرن العشرين لؤلؤة الجزيرة العربية وميناءً عالمياً يربط الشرق بالغرب، ولم تكن مجرد مدينة ساحلية بل نافذة المنطقة على العالم الحديث ومركزاً للتجارة والثقافة والإعلام. ازدهرت بفضل موقعها الجغرافي الإستراتيجي الذي جعلها محطة رئيسية للسفن التجارية وناقلات النفط، فكانت الحركة فيها لا تهدأ والأسواق تضج بالحياة من ميناء المعلا إلى التواهي وكريتر.

عُرفت عدن بانفتاحها وتنوعها الاجتماعي، إذ جمعت في شوارعها العرب والهنود واليهود والصوماليين والبريطانيين في نسيج حضري متسامح صنع هوية مدنية فريدة. وكانت الصحف والمجلات الصادرة منها تمثل منارة فكرية وثقافية في الجنوب العربي مثل صحيفة الأيام وفتاة الجزيرة والكفاح التي حملت روح التنوير والتحرر. لكن هذه المدينة التي سطعت يوماً بدأت تنحدر بعد رحيل الإدارة البريطانية عام 1967، حين غادر المستعمر دون أن يترك مؤسسات دولة قوية، فبدأ الاضطراب الإداري وتراجع مستوى الخدمات. ومع قيام جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، فُرضت الأيديولوجيا على الحياة المدنية، وتأممت التجارة وتراجع النشاط الاقتصادي الحر الذي كان عصب المدينة. ثم جاءت مرحلة الوحدة عام 1990 لتزيد من معاناة عدن، إذ تم تهميشها سياسياً واقتصادياً ونقل مركز القرار شمالاً، ما أفقدها دورها التاريخي كميناء إقليمي. وبعد حرب 1994 تعرضت المدينة للتدمير الممنهج ومصادرة الممتلكات وتحولت من عاصمة اقتصادية نابضة إلى مدينة منسية. ومع اندلاع الحروب الحديثة منذ عام 2015 أصبحت عدن ساحة صراع بين قوى متعددة، فاختلطت الأجندات وتدهورت الخدمات وتراجع الأمن، مما عمّق جراحها وأغرقها في فوضى سياسية واقتصادية خانقة. غير أن هذه المرحلة شهدت أيضاً بروز المجلس الانتقالي الجنوبي كقوة محلية تمتلك الإرادة والقدرة على إعادة الإعتبار لعدن، فقد عمل المجلس رغم الصعوبات والعراقيل على إرساء دعائم الأمن وتنظيم المؤسسات وإعادة تنشيط الميناء والمطار والخدمات العامة ضمن إمكانات محدودة وظروف استثنائية. هذه الجهود، وإن لم تبلغ بعد الطموح المنشود، تمثل نقطة تحول حقيقية في مسار استعادة عدن لدورها التاريخي، وتؤكد أن مستقبل المدينة بات مرتبطاً بالإدارة الجنوبية الجديدة التي تسعى إلى بناء نموذج مستقر ومتوازن للجنوب. إن إنحدار عدن لم يكن قدراً محتوماً، كما أن نهوضها ليس حلماً بعيداً، فالمجلس الانتقالي اليوم يقود محاولة واعية لتصحيح مسار تاريخي طويل من التهميش، وإعادة رسم مستقبل المدينة بما يليق بمكانتها وتاريخها. وعدن، رغم ما مرّ بها من صراعات وتحديات، ما زالت تملك المقومات التي تجعلها قادرة على أن تعود، ليس فقط كما كانت، بل أقوى وأكثر تأثيراً في مستقبل الجنوب والمنطقة بأسرها ..

محمد علي رشيد النعماني

زر الذهاب إلى الأعلى