اعلان كاك بنك صحيفة النقابي.

مقالة ل (وضاح الحريري): حين تتحول الأمطار إلى موتٍ معلن..الجنوب يغرق بين الإهمال وسياسة التجويع

 

كتب/ وضاح قحطان الحريري

في مدن الجنوب، لم تعد الأمطار مجرد حالة طبيعية تمر بسلام، بل تحولت إلى كابوس موسمي يكشف كل عام حجم التصدع في البنية التحتية، من الشوارع الغارقة بالمياه إلى الأحياء السكنية المنهارة، ومن المزارع المدمرة إلى المستشفيات العاجزة عن استقبال المتضررين. ومع كل موجة مطر في عدن ولحج وحضرموت، تتكشف صورة مأساوية عن واقع لم يعد يحتمل الانتظار أو التغاضي.

المستشفيات، التي يُفترض أن تكون الحصن الأخير أمام الأزمات، تعاني من ضعف شديد في جاهزيتها. انقطاع الكهرباء، غياب شبكات المياه البديلة، نقص الأدوية والمعدات، وردهات طبية تغرق في مياه الأمطار أو تتعطل بسبب أبسط طارئ. وهنا يبرز سؤال جوهري: ما مدى قدرة هذه المستشفيات على الصمود أمام الكوارث؟
العالم يضع أداة واضحة لقياس هذا الأمر تُعرف بمؤشر أمان المستشفى، وهي وسيلة لتقييم قدرة المستشفيات على الاستمرار في عملها أثناء الكوارث الطبيعية أو الأزمات. يرتكز هذا المؤشر على ثلاثة محاور أساسية: سلامة المبنى وقوته الإنشائية، سلامة المرافق غير الهيكلية مثل الكهرباء والمياه والمختبرات، ثم القدرات التشغيلية من طواقم مدربة وخطط طوارئ وموارد كافية. النتيجة تُصنف المستشفيات من الفئة الآمنة القادرة على الاستمرار، إلى تلك المتوسطة التي تحتاج تحسينات، وصولًا إلى الفئة الأخطر غير القادرة على تقديم الرعاية.

ولو طبقنا هذا المؤشر على المستشفيات في الجنوب، لوجدنا أن معظمها يقع في الفئة الأدنى، فهي غير مهيأة للتعامل مع السيول أو الزلازل أو حتى أزمات طبية واسعة النطاق. وبذلك، بدل أن تكون ملجأ للمتضررين، تتحول هي الأخرى إلى ضحية تُضاف إلى سلسلة الكوارث.

لكن الأزمة لا تقف عند المستشفيات، بل تمتد إلى المدارس التي تغرق ساحاتها وتتشقق جدرانها، والمزارع التي تبتلعها السيول، والأحياء التي تتحول إلى بحيرات موبوءة. كل هذا نتيجة غياب احتياطات السلامة وانعدام التخطيط الاستباقي، في بلد أنهكته المصالح الضيقة وسياسة التجويع.

غير أن معالجة هذه المعضلة لا تكون بالشكوى فقط، بل عبر وضع رؤى عملية قابلة للتنفيذ. فالمستشفيات مثلًا يجب أن تُبنى وفق معايير هندسية حديثة تراعي قوة الأرض وخطورة الأمطار، وأن تزود بعبارات لتصريف المياه من حولها، ومولدات كهربائية احتياطية، وخزانات مياه محمية. المنازل بدورها يجب أن تُشيد بأساسات مرتفعة نسبيًا عن مستوى الشارع، مع استخدام مواد بناء مقاومة للرطوبة، بحيث تصمد أمام موجات المطر والسيول.

أما الطرقات، فهي تحتاج إلى إعادة تصميم شامل، بحيث تُنشأ عبارات لتصريف السيول تحتها، وقنوات جانبية تمنع تراكم المياه في قلب المدن. التجربة أثبتت أن مناطق مثل الحلوة وبئر أحمد التي اجتاحتها السيول، يمكن أن تتحول من بؤر خطر إلى متنفسات حضرية، عبر إنشاء ممرات واسعة للسيول تتصل بالبحر، على هيئة خيران مائية تحيطها مساحات خضراء وحدائق عامة، فتكون في الوقت ذاته وسيلة لحماية المدينة من الغرق، ومتنفسًا سياحيًا يعكس جمال المكان

وليس هذا حلمًا بعيدًا، بل هو ما قامت به دول عدة واجهت تحديات مشابهة. ففي ماليزيا، كانت الأمطار الموسمية تُغرق العاصمة كوالالمبور، قبل أن تُنشأ شبكة أنفاق ضخمة تربط بين شوارع المدينة ومجاري السيول، بحيث تتحول الأنفاق في أوقات الخطر إلى مجاري مائية تصب في البحر. وفي دبي، جرى تحويل الخيران الطبيعية إلى قنوات حضرية سياحية، تحيطها مقاهٍ ومتنزهات، لكنها في الأصل مصممة لتصريف السيول وحماية المدينة. أما في القاهرة، فقد أعيد تصميم بعض الطرق الكبرى بحيث تحتوي على عبارات ضخمة تحت الأرض، قادرة على استيعاب كميات هائلة من المياه دون أن تعطل الحياة اليومية.

تجارب كهذه يمكن أن تُستلهم في الجنوب، لتكون عدن مثلًا مدينة بحرية حديثة تُدار سيولها عبر خيران حضرية تمتد إلى البحر، وتُحيط بها مسارات خضراء وممرات للمشاة. ويمكن لبئر أحمد والحلوة أن تتحولا من مناطق منكوبة إلى مشاريع حضرية جميلة تدمج بين وظيفة الحماية وجمال المكان.

إن الحديث عن البنية التحتية في الجنوب يجب ألا يتوقف عند رصد الكوارث، بل يتجاوزها إلى التفكير في الحلول التي تجمع بين الأمان والجمال. إنشاء مجاري للسيول مرتبطة بالبحر، بناء المستشفيات والمدارس على أسس مقاومة للمخاطر، وتخطيط الطرق بطريقة تمنع الغرق، كلها خطوات ممكنة إذا وُجدت الإرادة السياسية والوعي المجتمعي. إن ما يجري اليوم في مدن الجنوب يضع الإنسان أمام خطر دائم، ويؤكد أن غياب المعايير الدولية والالتزام بمؤشرات السلامة لا يعني فقط خسارة مبانٍ أو طرق، بل يعني خسارة أرواح ومستقبل أجيال. المواطن الجنوبي الذي يواجه السيول كل عام لا يطالب برفاهية، بل يطالب بأبسط مقومات الأمان التي تكفل له حق الحياة، وتمنحه أملًا بمستقبل أكثر استقرارًا وكرامة

زر الذهاب إلى الأعلى