شكرا [وزير الثلاث صنايع]

شكرا وزير الثلاث صنايع
علي محمد سيقلي
في مشهد مؤلم لا يمكن تبريره أو التهوين من وقعه، يُلقى بمكتب وزارة الثقافة والسياحة والإعلام في عدن إلى الشارع، لا مجازاً، بل حرفياً، بعد أن عجزت الجهة الحكومية المعنية عن تسديد الإيجارات المستحقة، ليجد موظفوه أنفسهم على الأرصفة، ويتحول مقرهم إلى ذكرى.
فأي سقوط أكبر من هذا يمكن أن يحدث لقطاع يُفترض به أن يقود الوعي والتنوير في المجتمع؟
إن إفراغ المكتب من مضمونه ومكانه هو تتويج لمسار طويل من التهميش المتعمد والإهمال الممنهج، يبدأ بحرمانه من الميزانيات التشغيلية، ويمر بتقليص صلاحياته، وينتهي بطرده من مقره دون أدنى اعتبار لمكانته، أو لأهمية الدور الذي يُفترض أن يؤديه.
ولا يقف الأمر عند هذا الحد، بل تتكشف النوايا الحقيقية لوزارة الثقافة الحالية في محاولة “ترحيل” موظفي المكتب إلى مبنى معهد الفنون الجميلة بكريتر، الذي يرزح هو الآخر تحت وطأة الإهمال، ومحروم من أي دعم يُذكر، في وقت يتعرض فيه لضغوط متزايدة للاستحواذ عليه، وكأن الحرب لم تكفِ، فجاء العبث الرسمي ليُجهز على ما تبقى من معالم الثقافة والفن.
فأيّ رسالة تريد الحكومة إيصالها؟ هل المطلوب أن تُسحق الثقافة؟ أن تُقتل الفنون؟ أن يُداس الإعلام المستقل تحت أقدام العجز والفساد والمحسوبيات؟ كيف يُعقل أن تكون الجهات المسؤولة عن حماية الهوية الحضارية والثقافية للمدينة، هي ذاتها من تقود عملية دفنها؟
ما يجري ليس مجرد سوء إدارة، بل إهانة لعدن وتاريخها ومثقفيها وفنانيها وصحفييها. وهو جرس إنذار لكل من تبقى فيه شيء من الغيرة على هذه المدينة، أن يرفع صوته، أن يرفض، أن يُقاوم هذا الانحدار المهين.
عدن، بتاريخها، ليست مدينة عابرة يمكن إسكاتها أو تحييدها، بل هي أيقونة ثقافية لا تستحق هذا الجحود. والسكوت اليوم على ما يحدث ليس إلا مشاركة ضمنية في جريمة اغتيال الهوية المدنية والحضارية لهذه المدينة العظيمة.
فمن ينقذ الثقافة والإعلام من الضياع؟
ومن يحاسب المسؤولين عن هذا الخراب؟
وهل ما زال في المشهد من يتذكر أن “الهوية” لا تُحفظ بالدبابات، بل بالكلمة والفن والوعي؟
الله المستعان