حرب البقاء: كيف تعيد المواجهة مع إيران رسم خريطة الشرق الأوسط

النقابي الجنوبي/خاص/هشام صويلح
تقرير حول استراتيجية طهران وتداعيات الحرب الإقليمية
تحولت المواجهة العسكرية بين إيران والتحالف الأمريكي–الإسرائيلي من ضربات محدودة إلى صراع إقليمي واسع يعيد تشكيل توازنات الشرق الأوسط. وبينما تتواصل العمليات على عدة جبهات، ترجح تحليلات متقاطعة أن طهران لا تسعى إلى نصر تقليدي بقدر ما تراهن على القدرة على الصمود ومنع انهيار منظومتها السياسية والعسكرية.
في تحليل نشرته هيئة الإذاعة البريطانية، يرى أمير عظيمي، المحلل السياسي، أن الاستراتيجية الإيرانية تقوم على حسابات بعيدة المدى، تستند إلى الردع والاستنزاف بدلاً من الحسم العسكري المباشر. ويضيف:
“إيران لا تقاتل من أجل الانتصار بالمعنى التقليدي، بل من أجل البقاء وفق شروطها الخاصة.”
يشير التحليل إلى أن القيادة في طهران أدركت مبكرًا احتمالية الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة مع إسرائيل أو الولايات المتحدة، لذلك تم تصميم خطة استراتيجية طويلة الأمد تقوم على الاستنزاف والتأثير النفسي والاقتصادي على الخصوم.
استراتيجية الصمود والاستنزاف
تعتمد طهران على أدوات متداخلة عسكريًا واقتصاديًا ونفسيًا. فقد استثمرت خلال العقد الماضي بكثافة في تطوير ترسانة الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة بعيدة المدى، إلى جانب شبكة من الحلفاء والجماعات الموالية في دول عربية عدة. وتمنح هذه القدرات هامشًا لممارسة ضغط مستمر على خصومها دون مواجهة تقليدية شاملة. كما أن انتشار القواعد الأمريكية في المنطقة، وقرب إسرائيل من مدى الصواريخ الإيرانية، يفتح الباب أمام ضربات متفرقة تحمل كلفة مادية ونفسية عالية.
ويربط التحليل جزءًا من المعادلة الإيرانية بالجانب الاقتصادي للحرب. فالصواريخ الاعتراضية الأمريكية والإسرائيلية مرتفعة الكلفة مقارنة بالطائرات المسيّرة والصواريخ الأقل ثمناً، ما يخلق استنزافًا طويل النفس. كما يشكل مضيق هرمز ورقة ضغط استراتيجية؛ فحتى مجرد التلويح باضطراب الملاحة يرفع أسعار الطاقة ويزيد الضغوط الدولية لوقف الحرب.
حرب تتجاوز ساحة المعركة
يشير تحليل نشرته شبكة “سي إن إن” إلى أن الضربات الأمريكية والإسرائيلية على إيران أوصلت المنطقة إلى مرحلة من عدم اليقين السياسي، خاصة مع شعور حلفاء واشنطن بالقلق من اتساع رقعة الصراع. ويقول كل من ستيفن كولينسون، وكايلي توود، وتال شاليف، المحللون السياسيون:
“حكومات أوروبية وشرق أوسطية فوجئت بسرعة التصعيد، لا سيما أن العمليات انطلقت دون تنسيق واسع مع الحلفاء التقليديين.”
تتجاوز التداعيات العسكرية حدود ساحة المعركة، إذ أدت إلى ارتفاع أسعار الطاقة وتعطل خطوط الملاحة الجوية والبحرية، وأثرت على الاقتصادات الهشة في المنطقة. ويرى الخبراء أن استمرار الحرب قد يعيد تشكيل التحالفات الإقليمية، عبر تعزيز التعاون الأمني بين بعض الدول أو زيادة الاحتقان السياسي بينها.
حسابات خليجية معقدة
تشير التقارير إلى أن دول الخليج تواجه معادلة صعبة في ظل الحرب؛ فهي مرتبطة بعلاقات أمنية وثيقة مع الولايات المتحدة، وفي الوقت نفسه تقع ضمن مرمى التهديدات العسكرية. وقد كشفت الهجمات على منشآت مدنية وبنى تحتية في المنطقة أن الحرب لم تعد حكراً على إيران وإسرائيل، بل باتت تمس الاستقرار الإقليمي بصورة مباشرة. وفي المقابل، تسعى عدة عواصم خليجية إلى احتواء التصعيد وتجنيب المنطقة الانزلاق إلى حرب أوسع.
موقع الحوثيين في معادلة الصراع
ضمن هذا المشهد الإقليمي المتشابك، يبرز موقف جماعة الحوثيين في اليمن كعامل محتمل لتغيير مسار الحرب. فرغم إعلان الجماعة استعدادها للتحرك العسكري إذا تطلبت التطورات، لم تدخل بعد في المواجهة المباشرة. وتشير وكالة “رويترز”، عبر مراسلها تيمور أزهري، إلى أن الحوثيين يمتلكون قدرات متطورة تشمل الصواريخ والطائرات المسيّرة التي استُخدمت سابقًا لاستهداف منشآت في السعودية والإمارات. ويقول عبد الملك الحوثي، زعيم الجماعة:
“الأصابع على الزناد إذا استدعت التطورات ذلك”، دون إعلان رسمي عن الدخول في الحرب.
تحليل صادر عن أليسون مينور، خبيرة شؤون الشرق الأوسط في المجلس الأطلسي، يوضح أن هذا التردد نابع من حسابات سياسية وعسكرية معقدة، إذ قد يهدد التدخل المباشر التهدئة القائمة منذ عام 2022 ويعيد إشعال الصراع الداخلي في اليمن بعد سنوات من الانخفاض النسبي في المواجهات. كما أن التعاطف الشعبي في اليمن مع إيران أقل من التعاطف مع القضية الفلسطينية، مما يحد من المكاسب السياسية لأي تدخل عسكري.
سيناريوهات محتملة
ترجح التقديرات عدة سيناريوهات محتملة لدور الحوثيين في المرحلة المقبلة. أولها استئناف الهجمات ضد إسرائيل أو السفن المرتبطة بها في البحر الأحمر، وهو خيار قد يوسع نطاق التوتر دون إشعال الحرب اليمنية مجدداً. السيناريو الثاني يتضمن استهداف الملاحة التجارية في البحر الأحمر، ما قد ينعكس مباشرة على التجارة العالمية وطرق نقل الطاقة. أما الاحتمال الأكثر تصعيداً فيتمثل في العودة إلى المواجهات مع السعودية أو الإمارات، وهو ما يحذر محللون من أنه سيعيد فتح جبهة الحرب اليمنية بكاملها.
صراع طويل الأمد
تشير معظم القراءات إلى أن الحرب الحالية لا تبدو مرشحة للحسم السريع. فكل طرف يعتقد أن الوقت في صالحه: إيران تراهن على الصمود واستنزاف خصومها، فيما تعوّل الولايات المتحدة وإسرائيل على تفوقهما العسكري والتكنولوجي. لكن استمرار المواجهة قد يخلق تداعيات أوسع تتجاوز حدود الاشتباك المباشر، سواء عبر اضطرابات اقتصادية أو إعادة تشكيل التحالفات السياسية. وفي هذا المشهد المعقد، يبقى مستقبل الحرب رهناً بسيناريوهات متعددة، فيما يتكيف الشرق الأوسط مع واقع استراتيجي جديد قد يمتد تأثيره لسنوات.
